أخبار ساعة

16:07 - لجنة بمجلس المستشارين تصادق بالإجماع على إخضاع حراس الأمن الخاص لمدة الشغل العادية15:26 - مفاوضات متقدمة بين المغرب والبرازيل لاقتناء خمس طائرات نقل عسكرية من طراز KC-39014:19 - مفاوضات غير مباشرة في الدوحة بين واشنطن وطهران تمهيدا لاتفاق حول القضايا العالقة وحرية الملاحة14:00 - وزارة الأوقاف تعلن موعد مراقبة هلال شهر محرم 1448 وتحدد أرقام التواصل مع لجان التحري13:32 - المكون اليهودي في منظومة الحكم بالمغرب بين الجذور التاريخية والتمثيلية السياسية13:21 - تقرير إسباني يرصد استمرار وصول مهاجرين مغاربة إلى سبتة وسط انتقادات للإحصائيات الرسمية13:14 - من الفلاح المدافع عن العرش إلى التكنوقراطي راعي الأوراش: كيف تستورد الأحزاب المغربية قياداتها من خارجها؟12:10 - أيوب بوعدي يخطف الأنظار أمام البرازيل ويقود وسط المغرب بأداء استثنائي في كأس العالم 202611:16 - المغرب يضاعف صادرات الفلفل الحلو إلى النرويج ويعزز حضوره في أسواق شمال أوروبا10:30 - الملاكم المغربي هدير يتوج بذهبية البطولة الإفريقية الآسيوية للملاكمة الاحترافية في تركيا
الرئيسية » الرئيسية » المكون اليهودي في منظومة الحكم بالمغرب بين الجذور التاريخية والتمثيلية السياسية

المكون اليهودي في منظومة الحكم بالمغرب بين الجذور التاريخية والتمثيلية السياسية

أثار استمرار وجود أندري أزولاي مستشاراً لكل من الملكين الحسن الثاني ومحمد السادس نقاشاً وانتقادات من اتجاهات مختلفة، لكن دوافع هذه الانتقادات لم تكن واحدة. فقد ركز بعض المنتقدين على الهوية اليهودية لأزولاي وعلاقاته الدولية، واعتبروا أن قربه من المؤسسة الملكية يمنحه نفوذاً يتجاوز دوره الرسمي. كما اتهمه بعضهم بلعب دور في تشجيع التقارب المغربي الإسرائيلي أو في الدفاع عن خيارات سياسية وثقافية لا يتفقون معها. فبعد استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية سنة 2020، عاد اسم أزولاي إلى الواجهة في بعض الأوساط المناهضة للتطبيع، حيث قدم أحياناً باعتباره أحد الوجوه المرتبطة بالحوار المغربي الإسرائيلي. غير أن هذه الانتقادات غالباً ما تعكس مواقف أصحابها السياسية من التطبيع أكثر مما تستند إلى معطيات رسمية حول صلاحياته الفعلية داخل الدولة. غير أن هذه الانتقادات تبقى سطحية ما دامت لا تأخذ بعين الاعتبار أن ظاهرة اشتغال شخصيات سياسية يهودية ضمن منظومة الحكم بالمغرب ليست وليدة اليوم بل هي متجذرة في التاريخ السياسي والاجتماعي للمغرب بحكم أن اليهود المغاربة شكلوا دائما أحد مكونات المجتمع المغربي.

-تجذر الوجود اليهودي داخل المجتمع المغربي

شكل اليهود الأمازيغ مكوناً أصيلاً وجزءاً لا يتجزأ من تاريخ المغرب، حيث استقروا في المنطقة منذ العصور القديمة قبل الميلاد. وعاشوا جنباً إلى جنب مع القبائل الأمازيغية، وتحدثوا باللهجات الأمازيغية، مما يعكس حيث تذكر المصادر التاريخية أن التواجد اليهودي في المغرب يسبق الفتح الإسلامي بقرون، ويرجح المؤرخون أن بعض القبائل الأمازيغية قد اعتنقت اليهودية، بينما اختلطت هجرات يهودية أخرى مع السكان المحليين. حيث تركز تواجدهم بشكل أساسي في مناطق الجنوب المغربي والأطلس الكبير والمتوسط، مثل واحات درعة، سوس، تنغير، ودمنات.

كما عُرف اليهود في مناطق مثل الأطلس بسوس بـ “يهود الشلوح”، حيث كانت اللغة الأمازيغية لغتهم الأم، إلى جانب استخدامهم للعبرية. وقد برعوا كحرفيين، وتجار، وصاغة للفضة، ولعبوا دور الشريان الاقتصادي الذي يربط القرى الأمازيغية الداخلية بالمراكز التجارية. كما كانت العلاقات مبنية على الجوار والمصاهرة والحماية القبلية. حيث اشتركت الساكنة المسلة واليهودية في العديد من العادات والطقوس الثقافية، كزيارة الأضرحة والاحتفال بمواسم الحجيج السنوي (الهيلولاه). لذا شكل اليهود المغاربة أكبر جالية يهودية في العالم الإسلامي قبل أن تتم هجرتهم خارج المغرب خلال الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي نتيجة عدة عوامل من بينها السياسة التعليمية الفرنسية ، وقيام دولة إسرائيل ، وتداعيات حرب 1967 ليقتصر تواجدهم اليوم على أعداد صغيرة في بعض المدن المغربية.وإن كان هذا لم يمنع من استمرار زيارات اليهود للمغرب إما لاحياء المواسم الدينية أو للقيام بزيارات سياحية في الوقت الذين ما زال أغلبهم متشبثا بموروثهم الثقافي والاجتماعي بمختلف تواجدهم بمدن العالم بما فيها المدن الإسرائيلية.

– اندماج المكون اليهودي في دواليب الحكم بالمغرب

عرف البلاط السلطاني بالمغرب، عبر فترات تاريخية مختلفة، وجود شخصيات يهودية لعبت أدواراً استشارية أو مالية أو دبلوماسية إلى جانب السلاطين والأمراء. وهو أمر لم يكن استثنائياً في تاريخ المغرب، حيث شغل بعض اليهود مناصب مؤثرة في الإدارة والمخزن. وأبرز شخصية يهودية ارتبطت بالوزارة في العهد المريني هي هارون بن بطاش، الذي عيّنه السلطان عبد الحق المريني في منصب الصدر الأعظم (كبير الوزراء) خلال القرن الخامس عشر. وتذكر المصادر أن نفوذه ازداد بشكل كبير في البلاط، الأمر الذي أثار معارضة بعض النخب الدينية والسياسية وساهم في تأجيج الاضطرابات التي سبقت سقوط الدولة المرينية سنة 1465. كما تذكر بعض الروايات شخصية يهودية أخرى تدعى شاويل، كان لها دور في تسيير بعض شؤون الدولة إلى جانب هارون بن بطاش في عهد عبد الحق المريني.أما خلال فترات القوة والازدهار المريني، فقد كان دور اليهود يتركز أكثر في:التجارة الدولية ، أو الجباية والمالية ، أو ضرب العملة. بالإضافة إلى تعيينهم في السفارات والوساطة الدبلوماسية مع الممالك الأوروبية والأندلسية.

ومن المهم الإشارة إلى أن بعض الكتابات المتأخرة بالغت أحياناً في وصف نفوذ اليهود في أواخر الدولة المرينية. أما الدراسات الأكاديمية الحديثة فترى أن أزمة الدولة كانت أعمق من أن تُفسَّر فقط بصعود وزير يهودي أو مجموعة من المسؤولين اليهود، إذ ارتبطت أيضاً بضعف السلطة المركزية وصراعات البلاط وتزايد نفوذ الوزراء والأوصياء العسكريين. ولم يقتصر الحضور السياسي للبهود المغاربة على العهد المريني ، بل امتد إلى العهد العلوي .فقبل الحماية برز عدد من “تجار السلطان” والمستشارين اليهود الذين اضطلعوا بمهام مالية ودبلوماسية، ومن أشهرهم:صموئيل سومبال الذي خدم السلطان سيدي محمد بن عبد الله ، و ميمران بن عطار، الذي لعب دوراً في العلاقات التجارية والدبلوماسية للمخزن. و كذا أسرة كوركوس التي مارست أدواراً مالية وتجارية مهمة مع السلاطين العلويين.

وبعيد الاستقلال عين الدكتور ليون بن زاكين أول وزير يهودي في أول حكومة مغربية بعد الاستقلال حيث تولى منصب وزير البريد والتلغراف والتلفون في حكومة مبارك البكاي الأولى عام 1955، ثم شغل منصب وزير الصحة في الحكومة التي تلتها. وقد كان يحظى بثقة ملكية كبيرة جعلت القصر لكونه كان الطبيب الخاص للملك الراحل محمد الخامس، الشيء الذي أدى إلى التشبث بتعيينه لتمثيل المكون اليهودي المغربي في السياسة الرسمسة للمملكة. كما اشتغل المهندس والمعارض السياسي أبراهام السرفاتي ضمن ديوان الزعيم الاشتراكي الراحل عبد الرحيم بوعبيد. حيث عُين السرفاتي مكلفاً بمهمة في ديوان عبد الرحيم بوعبيد الذي كان يشغل منصب وزير الاقتصاد الوطني في حكومة عبد الله إبراهيم و من خلال منصبه في الوزارة، وإلى جانب توليه إدارة المعادن والجيولوجيا.

ساهم السرفاتي ،باعتباره مهندساً منجمياً خريج فرنسا، بشكل كبير في وضع سياسة معدنية وبترولية مغربية مستقلة لخدمة الاقتصاد الوطني بعد الاستقلال. فعلى الرغم من أن عبد الرحيم بوعبيد كان يعلم بالتوجه الشيوعي واليساري للسرفاتي، إلا أنه اعتمد عليه لكفاءته العالية ووعيه الوطني ومناهضته المبكرة للاستعمار والصهيونية. كما كان ليون سلطان (Léon René Sultan) )هو أول سكرتير عام للحزب الشيوعي في المغرب والذي تأسس رسميا في المغرب في 14 نوفمبر 1943 قبل أن يخلفه علي يعتة في الفترة التي شهدت “مغربة الحزب” بشكل كامل والتحاقه العلني بصفوف الحركة الوطنية للمطالبة باستقلال المغرب. كما كان سيرج بيرديغو ، الذي ينحدر من مدينة مكناس ، من أبرز الشخصيات اليهودية المغربية التي تقلدت منصباً وزارياً في عهد الملك الحسن الثاني، حيث شغل منصب وزير السياحة بين سنتي 1993 و1995. وتعد مشاركته في الحكومة ذات دلالة رمزية، لأنها عكست استمرار حضور بعض الشخصيات اليهودية المغربية في مؤسسات الدولة بعد تقلص عدد أفراد الطائفة اليهودية في المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وقد تولى لاحقاً مهام قيادية داخل مجلس الطوائف اليهودية بالمغرب ، قبل أن يتم تعيينه من طرف الملك محمد السادس سفيراً متجولاً للمملكة سنة 2006.

-المشاركة اليهودية في الانتخابات التشريعية والمحلية

شهد المغرب في فترات مختلفة ترشح مواطنين مغاربة من الديانة اليهودية في الانتخابات الجماعية والتشريعية، وإن ظل عددهم محدوداً مقارنة بحجم المشاركة العامة. فتاريخياً، لم يكن ترشح اليهود المغاربة أمراً جديداً؛ حيث شارك بعضهم في الانتخابات البلدية منذ السنوات الأولى بعد الاستقلال، وسُجل انتخاب مرشحين يهود في المجالس المحلية، خاصة في الدار البيضاء خلال ستينيات القرن العشرين. خاصة وأنه من الناحية القانونية، لا يوجد في المغرب أي شرط ديني للترشح للانتخابات. فالدستور والقوانين الانتخابية تمنح حق الترشح لكل مواطن مغربي تتوفر فيه الشروط القانونية، بغض النظر عن دينه أو أصله. لذلك فإن مشاركة اليهود المغاربة في الانتخابات تُعد مشاركة مواطنين مغاربة في الحياة السياسية شأنهم شأن باقي المواطنين. وهكذا شهد التاريخ السياسي للمغرب المعاصر ترشح عدة مواطنين مغاربة من الديانة اليهودية في الانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية. حيث عكس هذا الترشح انخراطهم في الحياة السياسية الوطنية من داخل مشارب حزبية متنوعة (يمينية، يسارية، وليبرالية): فقد فاز شمعون ليفي العضوا السايق في المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية بانتخابات المجالس البلدية والقروية في سنة 1977 بمدينة الدار البيضاء حيث عُرف بدفاعه المستميت عن الهوية الثقافية المغربية وتأسيسه للمتحف اليهودي بالدار البيضاء.

أما ماغي قاقون فقد ترشحت للانتخابات التشريعية في سنة 2007 و2011. حيث اعتبرت كـأول امرأة يهودية مغربية تخوض غمار الانتخابات التشريعية في العالم العربي، حيث قادت اللائحة الوطنية للنساء باسم حزب الوسط الاجتماعي كما فاز جو حنا من حزب الاتحاد الدستوري بعضوية البرلمان المغربي في سنة 1984. والذي عتبر كأول يهودي مغربي يصل إلى قبة البرلمان بعد الاستقلال. كما ترشحت في الانتخابات التشريعية لسنة 2007 ماجي كاكون، وكانت من أوائل الشخصيات اليهودية التي خاضت الانتخابات البرلمانية في المغرب بشكل بارز. في حين ترشح لهذه الانتخابات أيضا خمسة يهود مغاربة بمدينة الدار البيضاء، بينهم نساء، وإن لم يتمكنوا من الفوز بمقاعد برلمانية.

أما دانييل بنسباط فقد ترشح للانتخابات التشريعية في أكتوبر 2016 حيث خاض هذه الانتخابات وكيلاً للائحة حزب الحركة الشعبية بدائرة عين السبع الحي المحمدي في الدار البيضاء. كما أنه قبل انتخابات 2021 أعلن عبد اللطيف وهبي الامين العام السابق لحزب الاصالة والمعاصرة عزم حزبه ترشيح سيمون سكيرا في الانتخابات الجهوية والمحلية، مؤكداً أن المواطنة هي الأساس في الترشح بغض النظر عن الانتماء الديني. حيث تداولت وسائل إعلام سنة 2021 خبر خوض جوزيف بن شباط الانتخابات الجماعية بإحدى الجماعات القروية التابعة لجهة مراكش آسفي. أما.سيمون سكيرا فقد تم ترشيحه لخوض الانتخابات الجهوية في سبتمبر 2021 بعدما زكاه حزب الأصالة والمعاصرة للترشح في لائحته بجهة الدار البيضاء – سطات، حيث كان يشغل منصب رئيس فيدرالية اليهود المغاربة بفرنسا. من هنا يظهر بأن الأحزاب التي استقطبت ورشحت المواطنين اليهود المغاربة في العقود الأخيرة كانت تنتمي في الغالب إلى تيارات ليبرالية مثل الاتحاد الدستوري (جوزيف حنا)، الوسط الاجتماعي (ماغي قاقون)، الحركة الشعبية (دانييل بنسباط)، أو الأصالة والمعاصرة (سيمون سكيرا). في حين لم يسجل رسمياً في تاريخ الانتخابات المغربية أن قام حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بترشيح مواطنين يهود مغاربة لخوض الاستحقاقات التشريعية أو المحلية.

وعلى الرغم من أن الفكر العام والمواقف التاريخية لهذا الحزب اليساري تميزت دوماً بالانفتاح والدفاع عن قيم المواطنة والتعددية، والتعامل مع الكفاءات اليهودية مثل احتضان عبد الرحيم بوعبيد لـ “أبراهام السرفاتي” سابقاً، إلا أن خريطة الترشيحات الانتخابية الفعلية للحزب لم تشهد تقديم أسماء يهودية، وذلك لعدة أسباب تتمثل في أن أغلب الرموز والقيادات اليهودية المغربية التي انتمت تاريخياً إلى الصف اليساري (مثل شمعون ليفي) انخرطت سياسياً وتنظيمياً داخل الحزب الشيوعي المغربي وامتداداته اللاحقة المتمثلة في حزب التقدم والاشتراكية، ومن داخل هذا الحزب بالذات ترشحوا وفازوا في الانتخابات الجماعية .بينما فضل بعض النشطاء اليهود الآخرين (مثل السرفاتي) النضال من داخل الحركات اليسارية الراديكالية كمنظمة “إلى الأمام” التي كانت تقاطع المحطات الانتخابية وتعارض النظام السياسي آنذاك بالكامل. كما لم يُسجل تاريخياً أن قام حزب الاستقلال بترشيح مواطنين مغاربة من الديانة اليهودية في لوائحه للانتخابات التشريعية أو المحلية.و ذلك على الرغم من أن عائلات وشخصيات يهودية مغربية بارزة قامت بتمويل ودعم رجالات حزب الاستقلال إبان فترة الكفاح الوطني ضد الاستعمار الفرنسي، مثل التاجر “عمر دفيد” و”أبيك جير” الذي نشط في الجمعيات الموازية للحزب. في الوقت الذي دعم فيه هذا الحزب غداة الاستقلال عام 1956، تأسيس جمعية “الوفاق” التي كانت تضم نخبة من المثقفين اليهود المغاربة (مثل ألبير عياش وجاك ليفي) بهدف دمج الطائفة اليهودية في مشروع الدولة الوطنية الحديثة وطمأنتهم على مستقبلهم ومواطنتهم.

قبل أن تشهد فترة أواخر الخمسينيات وبداية الستينيات توترات سياسية وإعلامية؛ تمثلت في انتقاد بعض القيادات التاريخية للحزب النفوذ الاقتصادي لبعض النخب الفاسية واليهودية، و الذي تزامن ذلك مع صعود المد القومي العربي والأنشطة الصهيونية السرية، مما أسهم بشكل غير مباشر في تسريع وتيرة هجرة اليهود المغاربة. وفي نفس التوجه السياسي لم يسبق لحزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية أن رشح أي مواطن مغربي يهودي في لوائحه الانتخابية وذلك منذ تأسيسه إلى الآن.رغم أن بعض قادة الحزب قد صرحوا بترحيب الحزب بانضمام المواطنين اليهود المغاربة إلى صفوفه شرط الالتزام بمبادئه وقوانينه. كما تداولت بعض التقارير السياسية تصريحات لقياديين أفادت بأن فئات من المواطنين اليهود المغاربة خاصة في الدار البيضاء ، قد صوتوا لصالح الحزب في بعض المحطات التشريعية الماضية بناء على برامجه الاقتصادية ومبادئ النزاهة المحاربة للفساد.

ـ تعيين أندريه أزولاي كمستشار للملك بين الرمزية والفعالية

إذا كان الحديث عن “المستشارين اليهود بالبلاط الملكي” تاريخياً يشمل عدداً من الشخصيات اليهودية التي خدمت السلاطين في مجالات التجارة والدبلوماسية والمالية، فإن الحديث في المغرب المعاصر ينصرف أساساً إلى شخصية أندري أزولاي بوصفه أبرز مستشار يهودي ارتبط بالمؤسسة الملكية خلال العقود الأخيرة. فقد ارتبط اسم أندري أزولاي أساساً بنهاية فترة حكم الملك الحسن الثاني، الذي عينه مستشاراً ملكياً سنة 1991 بعد مسيرة طويلة في القطاع البنكي الدولي، خاصة داخل بنك باربياس (Paribas)، حيث اشتغل في ملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والعلاقات الاقتصادية الدولية.وخلال عهد الملك الحسن الثاني ارتبط دوره أساساً بملفات الإصلاحات الاقتصادية والمالية.و تشجيع الاستثمار الأجنبي والقطاع الخاص. و مواكبة سياسة الانفتاح الاقتصادي والخصخصة التي عرفها المغرب منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي. بالاضافة إلى تحسين التواصل السياسي للمؤسسة الملكية مع الفاعلين الاقتصاديين الدوليين.كما لعب أدواراً في العلاقات الدولية بحكم شبكة علاقاته الواسعة في أوروبا والولايات المتحدة والعالم المتوسطي، وساهم في تعزيز صورة المغرب كشريك اقتصادي ودبلوماسي منفتح.فبفضل شبكة علاقاته الدولية الواسعة في أوروبا والولايات المتحدة والشرق الأوسط، ساهم في تعزيز التواصل مع الأوساط المالية والاقتصادية الدولية، وهو ما كان مهماً للمغرب خلال مرحلة الإصلاحات الاقتصادية التي بوشرت في منتصف تسعينيات القرن الماضي . وبحسب توصيف أزولاي نفسه، فإن دوره كمستشار ملكي، وعلى غرار باقي مستشاري الملك ككديرة و عبد الهادي بوطالب وغيرهم ، لم يكن تنفيذياً أو حكومياً مباشراً، بل كان يتمثل في تقديم المعلومات والتحليلات والتقييمات للملك من أجل المساعدة في اتخاذ القرار. ومع اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، احتفظ أزولاي بمنصبه مستشاراً ملكياً، واستمر في أداء أدوار مرتبطة بالحوار بين الثقافات والأديان والعلاقات الدولية، إضافة إلى مساهمته في بعض الملفات الاقتصادية والاستراتيجية. لكن دوره تطور من التركيز القوي على الملفات الاقتصادية والمالية في التسعينيات إلى أدوار أوسع تجمع بين الاستشارة الاستراتيجية والدبلوماسية الثقافية والحوار بين الحضارات. ومن أبرز المهام التي ارتبط بها:

– الاستشارة في القضايا الاقتصادية والاستراتيجية حيث واصل أزولاي المساهمة في تقديم المشورة بشأن الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح على الاستثمار الدولي، وكان من الشخصيات التي ارتبط اسمها بمسار تحديث الاقتصاد المغربي وتعزيز دور القطاع الخاص وجذب الاستثمارات الأجنبية.
– تعزيز صورة المغرب دولياً حيث يُنظر إليه كأحد أبرز الوجوه التي تمثل المغرب في المؤتمرات والمنتديات الدولية، حيث يشارك بانتظام في نقاشات تتعلق بالعلاقات الأورومتوسطية والتعاون الدولي والتنمية والحوار الثقافي.

– الحوار بين الأديان والثقافات حيث يُعد هذا المجال من أكثر الملفات التصاقاً باسمه في عهد محمد السادس. فقد لعب دوراً بارزاً في الترويج للنموذج المغربي القائم على التعايش بين المسلمين واليهود والمسيحيين، وفي دعم المبادرات الدولية المتعلقة بالحوار بين الحضارات والأديان.

– تثمين التراث اليهودي المغربي حيث ارتبط أزولاي بعدد من المبادرات الرامية إلى إبراز المكون العبري في الهوية المغربية والحفاظ على الذاكرة اليهودية المغربية، خاصة من خلال أنشطته المرتبطة بمدينة الصويرة ومؤسسات ثقافية متعددة. فقد كان أزولاي من أبرز الداعمين لمشاريع الحفاظ على الذاكرة اليهودية المغربية في الصويرة، ومن بينها مشروع بيت الذاكرة، الذي أصبح رمزاً للتعايش بين المكونات الدينية والثقافية للمغرب.

– الدبلوماسية غير الرسمية ، فقد استفاد المغرب من شبكة علاقاته الواسعة في أوروبا وأمريكا الشمالية والأوساط اليهودية الدولية، حيث لعب أزولاي أدواراً في بناء جسور التواصل الثقافي والاقتصادي، وفي دعم حضور المغرب داخل شبكات الحوار الدولي.

لذلك يمكن القول إن تعيين أندري أزولاي مستشارا للملكين لم يكن بسبب انتمائه الديني فقط، بل بسبب خبرته في الاقتصاد والمالية والعلاقات الدولية، وهي المجالات التي برز فيها قبل التحاقه بالقصر الملكي. وبالتالي ، فغالباً ما يُنظر إلى استمرار وجود مستشار يهودي في أعلى دوائر الدولة المغربية باعتباره:
-تعبيراً عن استمرارية تقاليد الدولة المغربية في الاستعانة بالكفاءات بغض النظر عن الانتماء الديني. فقد شغل أزولاي موقع المستشار الملكي لأكثر من ثلاثة عقود في عهد ملكين متعاقبين، وهو ما يعكس مستوى عالياً من الثقة الملكية فيه.

-وتأكيدا على خصوصية المكون العبري في الهوية المغربية، الشيء الذي كرسته ديباجة دستور 2011 وفق النص التالي:”المملكة المغربية دولة إسلامية ذات سيادة كاملة، متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم وتنوع مقومات هويتها الوطنية، الموحدة بانصهار كل مكوناتها، العربية-الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، والغنية بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية.” حيث يعد هذا أول دستور مغربي ينص صراحة على “الرافد العبري” باعتباره أحد الروافد المكونة للهوية المغربية إلى جانب الروافد الإفريقية والأندلسية والمتوسطية.

-انعكاساً لسياسة التعايش الديني التي يبرزها المغرب في الداخل والخارج. ارتبط اسم أزولاي بدعم عدد من التظاهرات الثقافية التي ساهمت في إشعاع الصويرة وطنياً ودولياً، كما ساعدت هذه الدينامية على جذب السياح والاستثمارات وإبراز صورة المدينة كفضاء للتعايش والانفتاح الثقافي. فقد أنشأ أزولاي جمعية “الصويرة-موغادور” سنة 1992 بهدف دعم التنمية المستدامة للمدينة بالاعتماد على تنوعها الثقافي وذاكرتها التاريخية وتراثها المتعدد الروافد.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

مفاوضات متقدمة بين المغرب والبرازيل لاقتناء خمس طائرات نقل عسكرية من طراز KC-390

15 يونيو 2026 - 3:26 م

يتجه المغرب والبرازيل نحو تعزيز تعاونهما في المجالين الدفاعي والصناعي، في ظل تقدم المفاوضات المتعلقة باقتناء القوات المسلحة الملكية خمس

مفاوضات غير مباشرة في الدوحة بين واشنطن وطهران تمهيدا لاتفاق حول القضايا العالقة وحرية الملاحة

15 يونيو 2026 - 2:19 م

تستعد الولايات المتحدة وإيران لعقد اجتماعات غير مباشرة في العاصمة القطرية الدوحة خلال هذا الأسبوع، في إطار تحضيرات تهدف إلى

تقرير إسباني يرصد استمرار وصول مهاجرين مغاربة إلى سبتة وسط انتقادات للإحصائيات الرسمية

15 يونيو 2026 - 1:21 م

كشف تقرير إعلامي إسباني عن استمرار وصول مهاجرين مغاربة إلى مدينة سبتة المحتلة بطرق غير نظامية، في مشاهد تتكرر بشكل

أيوب بوعدي يخطف الأنظار أمام البرازيل ويقود وسط المغرب بأداء استثنائي في كأس العالم 2026

15 يونيو 2026 - 12:10 م

فرض الدولي المغربي الشاب أيوب بوعدي نفسه نجماً لمواجهة المنتخب المغربي ونظيره البرازيلي، بعدما قدم عرضا قويا في المباراة التي

المغرب يضاعف صادرات الفلفل الحلو إلى النرويج ويعزز حضوره في أسواق شمال أوروبا

15 يونيو 2026 - 11:16 ص

واصل المغرب تعزيز حضوره في الأسواق الأوروبية، بعدما سجل ارتفاعا كبيرا في صادرات الفلفل الحلو إلى النرويج خلال موسم 2025/2026،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°