احتضنت مدينة مكناس لقاء فكريا وثقافيا نظمته الجامعة الشعبية المغربية والمقهى الثقافي، بمناسبة الذكرى العاشرة لتأسيس هذه المبادرة الثقافية، خصص لتقديم ومناقشة كتاب «المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس» للوزير السابق والفاعل النقابي والسياسي جمال أغماني، في ندوة أدارها الباحث الأنثروبولوجي الدكتور خالد مونة، وعرفت حضورا لافتا لفاعلين أكاديميين وثقافيين وطلبة باحثين ومهتمين بالشأن العام.

واستهل اللقاء الدكتور مصطفى المريزق، رئيس الجامعة الشعبية المغربية والمقهى الثقافي بمكناس، بكلمة ترحيبية استحضر فيها المسار الذي قطعته المؤسسة خلال عشر سنوات من العمل الثقافي والمعرفي، معتبرا أن هذه التجربة شكلت فضاء للحوار والتفكير النقدي والانفتاح على مختلف الحساسيات الفكرية والأكاديمية.
وأكد المريزق أن الثقافة ليست ترفا مجتمعيا، بل رافعة للتنمية وشرطا من شروط المواطنة والديمقراطية والحرية، مشيرا إلى أن المدينة احتضنت خلال العقد الأخير عشرات الندوات والمحاضرات التي ساهمت في إغناء النقاش العمومي وترسيخ قيم الحوار الجاد.

كما توقف المريزق عند رمزية استضافة جمال أغماني، باعتباره أحد الوجوه التي راكمت تجربة سياسية ونقابية ومدنية طويلة، موضحا أن موضوع الندوة «من أجل تعاقد سياسي جديد مع الشباب.. رؤية مشتركة لبناء مغرب المستقبل» يكتسي أهمية خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المغرب والعالم، وما تطرحه من أسئلة مرتبطة بموقع الشباب وأدوارهم وأشكال مشاركتهم السياسية والثقافية والتنموية.
واعتبر أن استحضار تجارب الماضي ليس هدفه الحنين إلى زمن مضى، وإنما محاولة لفهم تحولات الحاضر واستشراف المستقبل.

ولم يفت رئيس الجامعة الشعبية الإشادة بالداعمين والشركاء الذين رافقوا المشروع الثقافي، مبرزا أن المؤسسة تمكنت أخيرا من الحصول على مقر خاص بها بمدينة مكناس، في خطوة اعتبرها تتويجاً لمسار طويل من العمل التطوعي والثقافي.
من جهته، تولى الباحث الأنثروبولوجي الدكتور خالد مونة إدارة اللقاء، مقدما تأطيرا نظريا للموضوع انطلق فيه من التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة. واعتبر أن الشباب لم يعودوا مجرد فئة عمرية، بل أصبحوا فاعلاً مركزياً داخل البنية الاجتماعية والسياسية، تتقاطع في تجربتهم تحولات التعليم وسوق الشغل والرقمنة وأنماط التعبير السياسي الجديدة.

وأكد مونة أن العلاقة بين الشباب والمؤسسات التقليدية، من أحزاب ونقابات وهيئات وساطة، أصبحت تعرف توترات وإعادة تشكل مستمرة، وهو ما يعكس، في نظره، أزمة تمثيل وتحولات عميقة في فهم السياسة وأشكال المشاركة العمومية.
كما طرح أسئلة مرتبطة بقدرة العقد الاجتماعي والسياسي الحالي على استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة، داعيا إلى إعادة التفكير في أدوار المؤسسات الوسيطة وآليات المشاركة السياسية بما يتلاءم مع التحولات المجتمعية الراهنة.
وفي معرض جوابه عن أسئلة الندوة، قدم جمال أغماني قراءة ذاتية وفكرية لمسار كتابه، موضحا أن فكرة تأليف المذكرات لم تكن مبرمجة سلفا، بل بدأت بشكل عفوي أثناء مهمة مهنية بالقاهرة، حين شرع في تدوين ذكريات الطفولة والمسار الدراسي والنضالي بهدف حفظها للأبناء والأحفاد. غير أن المشروع تطور تدريجياً ليصبح شهادة على مرحلة تاريخية عاشها المغرب، أكثر منه سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي.

وشدد أغماني على أن الكتاب لا يقدم حقيقة مطلقة، بل يقدم شهادته الخاصة حول وقائع وأحداث عاشها، مع محاولة قدر الإمكان الحفاظ على الموضوعية والابتعاد عن الأحكام المسبقة التي كانت تحكم الفاعلين أثناء وقوع تلك الأحداث. وأوضح أن عنوان الكتاب مستلهم من عبارة شهيرة للراحل عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان يؤكد أن المغرب يتغير باستمرار وأن المؤسسات والنخب مطالبة بمواكبة هذا التحول.
وفي حديثه عن الشباب، رفض أغماني مقاربة تقيس الأجيال الجديدة بمعايير الماضي، معتبرا أن لكل جيل أدواته الخاصة في ممارسة السياسة والعمل الثقافي والمدني. وقال إن الخطأ يكمن في مطالبة شباب اليوم بأن يكونوا نسخة مطابقة لشباب الأمس، لأن التحولات التكنولوجية والاجتماعية والثقافية غيرت شروط الفعل السياسي وأشكال التعبير والمشاركة.

كما استحضر تجربته داخل الحركة الطلابية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، معتبرا أن هذه المؤسسة كانت مدرسة حقيقية لتكوين الأطر السياسية والنقابية والإدارية التي قادت المغرب لعقود طويلة.
وأكد أن جزء مهما من النخب التي شغلت مواقع المسؤولية في الأحزاب والنقابات والبرلمان والحكومة مرت عبر هذه المدرسة النضالية، معتبرا أن تراجع دورها ترك فراغاً كبيراً في منظومة الوساطة السياسية والتأطير الشبابي.
وفي هذا السياق، أقر أغماني بأن مختلف الفصائل السياسية تتحمل جانبا من المسؤولية في الأزمة التي انتهى إليها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، معتبرا أن فشل المؤتمر السابع عشر للاتحاد شكل محطة مفصلية ساهمت في إضعاف هذه المؤسسة التاريخية وما كانت تضطلع به من أدوار في تكوين النخب وتأطير الشباب.

ومن بين الأفكار التي أثارت اهتمام الحاضرين، حديثه عن أزمة الوساطة السياسية في المغرب، حيث اعتبر أن الأحزاب والنقابات تواجه اليوم تحديات غير مسبوقة بسبب التحولات الرقمية وظهور أشكال جديدة من التعبير والتأثير خارج القنوات التقليدية.
وأكد أن الشباب يمارسون السياسة بطرق مختلفة، سواء عبر الفضاء الرقمي أو المبادرات المدنية أو أشكال الاحتجاج الجديدة، وهو ما يفرض على المؤسسات التقليدية مراجعة أدواتها وأساليب عملها.
كما توقف أغماني عند ظاهرة الغش في الامتحانات، معتبرا أنها تعكس أزمة مجتمعية وثقافية أوسع من مجرد خرق لقواعد التقييم المدرسي، ومشيرا إلى أن بعض الخطابات الإعلامية والاجتماعية باتت تتعامل مع الغش باعتباره حقاً من حقوق التلاميذ، وهو ما يطرح أسئلة عميقة حول منظومة القيم والتنشئة والمواطنة.

وفي معرض تشخيصه للوضع السياسي الراهن، لم يخف أغماني انتقاده لمستوى النقاش العمومي والسياسي، معتبرا أن جزء من الفاعلين السياسيين انشغلوا بقضايا هامشية على حساب الأسئلة الاستراتيجية المرتبطة بالتنمية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.
كما دعا إلى الارتقاء بالنقاش السياسي ليواكب التحديات الحقيقية التي تواجه المغرب، خاصة تلك المرتبطة بالشباب والتشغيل والتعليم والتحولات الرقمية.
وتوقف الوزير السابق عند التحولات الاقتصادية العالمية، خاصة ما يرتبط بالثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، معتبرا أن هذه التحولات تفرض إعادة النظر في مفاهيم تقليدية مثل العمل اللائق والنقابة والتمثيل المهني، لأن جزءاً متزايداً من العاملين باتوا يشتغلون خارج الأطر الكلاسيكية لعلاقات الشغل.

أما بخصوص سؤال اليسار ومستقبله، فقد أكد أغماني أن جزء مهما من المكتسبات الديمقراطية والحقوقية التي عرفها المغرب ارتبط بنضالات القوى اليسارية بمختلف مكوناتها، غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين اليسار كمنظومة قيم وأفكار وبين الأحزاب اليسارية كتنظيمات سياسية.
كما اعتبر أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها المجتمعات الغربية، والتي أفرزت التقسيمات التقليدية بين اليمين واليسار، لم تعرف المسار نفسه في العالم العربي، وهو ما يفسر خصوصية المشهد الحزبي والسياسي المغربي.

واختتم اللقاء بتوقيع كتاب «المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس»، وسط نقاش مفتوح بين المؤلف والحاضرين حول الذاكرة السياسية المغربية، وأدوار النخب، ومستقبل الشباب، وأسئلة المشاركة السياسية في زمن التحولات الرقمية.
وقد شكلت الندوة مناسبة لاستعادة محطات من تاريخ المغرب السياسي والاجتماعي، كما أتاحت فرصة للتفكير الجماعي في سبل بناء تعاقد سياسي جديد يعيد الثقة بين الشباب والمؤسسات، ويؤسس لمستقبل أكثر انفتاحاً وعدالة ومشاركة.
لمتابعة الندو يرجى الضغط على الفيديو أسفله




تعليقات الزوار ( 0 )