منذ شهر شتنبر، وإلى غاية شهر يونيو، ظل مشهد صغير يوقفني في شارع أعبره كل يوم تقريبا وأنا أتوجه إلى عملي. شارع طويل تصطف على جانبيه مدارس ابتدائية يؤمها أطفال قادمون من هوامش صعبة، من أحياء قاومت قسوة الزمن بما استطاعت، ومن بيوت ضيقة تعرف معنى الانتظار أكثر مما تعرف معنى الراحة. ازدحام أمام باب المدارس، حيث الأمهات تمسك كل واحدة بيد طفلها أو بطفلين ، تكلمه بصوت مسموع أو تمسح شيئا عالقا قرب فمه، تفتش في محفظته كمن يتأكد من مستقبله، ثم تودعه عند الباب.
غير أن ما يلفت الانتباه ليس هذا وإنما بقاء أغلب الأمهات، أمام باب المدرسة لا يغادرن. يجلسن أمام الباب في جماعات صغيرة، على الرصيف، أو قرب الجدار، أو تحت شجرة قليلة الظل، أو بمحاذاة بائع متجول يربط مصيره بما يشتريه الأطفال منه. ينتظرن خروج أبنائهن في منتصف النهار. لا يحملن كتبا ولا جرائد، ولا يملكن ترف الوقت الفارغ، ومع ذلك يمنحن ذلك الانتظار معنى نادرا، وهن يتبادلن الكلام، يسألن عن المعلمات، عن الواجبات، عن المرض، عن ثمن الدفاتر، عن الغلاء، عن الطفل الذي يبكي كل صباح، وعن الطفل الذي صار يقرأ جملة كاملة، ثم تتطور أحاديثهن مع توالي الأيام إلى بوح جماعي بأسرارهن وجروحن وأفراحهن. وفي العمق،ودون دراية منهن أراهن يحرسن مستقبل العالم.
يزداد هذا المشهد كثافة في أيام الامتحانات، حين تتجمع الأمهات بكثافة قرب الباب بنظرات قلقة، كأن الأسئلة ستخرج بعد قليل من الأقسام لتختبر قلوبهن، يسألن بعضهن عن الدروس، عن جدول الامتحان، عن صعوبة الرياضيات، عن الإملاء، عن المعلم الذي يبالغ في الصرامة… وحين يخرج طفل قبل الآخر، تندفع أمه نحوه كأنها تستقبل عائدا من حرب صغيرة، وتسأله بصوتها وصوت صويحباتها.. كيف كان الامتحان؟ هل أجبت؟ هل فهمت السؤال؟ هل كتبت اسمك؟ وأحيانا يجيب الطفل بكلمة عابرة، أو يطلب قطعة حلوى، أو يركض نحو صديقه، فتظل الأم عالقة بين الخوف والضحك والحيرة… كأنها هي التي جلست إلى الطاولة، وهي التي واجهت الورقة البيضاء، وهي التي أخطأت في الجمع والطرح، وهي التي تنتظر النتيجة كي تعرف هل انتصر البيت قليلا على الفقر.
في ذلك الانتظار شيء يتجاوز العاطفة المباشرة.. هؤلاء الأمهات فقيرات ماديا، تظهر عليهن آثار التعب، ويد الزمن الطويلة على الوجوه. ومع ذلك، يملكن غنى من نوع آخر لا يقاس بالمال ولا يظهر في الحسابات أو يدخل في تقارير التنمية. غنى من الحنان الخشن وتلك القدرة العجيبة على صنع الأمل من أشياء قليلة وبسيطة، من محفظة مستعملة وحذاء مرقع وسندويتش بسيط من الطون والحرور… هذه الأمومة الفقيرة في مادتها والغنية إلى درجة لا توصف في معناها هي مشهد يحدث كل صباح ولا أحد ينتبه إلى دلالاته.
من هذا المشهد يمكن الانتقال إلى معنى الأمومة نفسه، كما حاولت بعض الكتابات الفكرية والأدبية أن تفهمه بعيدا عن الصورة النمطية، ففي كتاب أدريان ريتش ” الأمومة بوصفها تجربة ومؤسسة”، تخرج الأمومة من حدود العلاقة البيولوجية بين امرأة وطفلها، وتظهر تجربة حية.. جسدية ونفسية، تختلط فيها المحبة بالخوف. الأمومة عندها تجربة شخصية عميقة، وفي الوقت نفسه مؤسسة اجتماعية تضع الأم داخل شبكة من التوقعات والأدوار والواجبات، لذلك يبدو حنان الأم أكثر تعقيدا من الصورة الناعمة التي تقدمه كعاطفة دائمة الهدوء، إنه قوة يومية صامتة تتشكل في السهر وفي مراقبة المرض وحفظ التفاصيل الصغيرة التي ينساها الجميع.. موعد الدواء، لون الحذاء، نبرة البكاء، والطعام الذي يرغب فيه الطفل حين يضيق العالم. وتقترح سارا روديك في كتابها “التفكير الأمومي: نحو سياسة للسلام” فهما آخر للأمومة، حيث تظهر الرعاية طريقة في التفكير قبل أن تكون وظيفة عائلية، ترافق ضعف وتحاول أن تمنحه فرصة للنمو.
وفي الأدب، تكشف رواية توني موريسون “محبوبة” صورة الأم التي تحب طفلها لأنها تعرف أن العالم قادر على سرقته، وهو حب محمول محمول على الخوف وعلى الرغبة الصعبة في حماية طفل من عالم لا يرحم. وتذهب نانسي تشودورو في “إعادة إنتاج الأمومة” إلى أن علاقة الأم بطفلها تصنع ذاكرة عاطفية يستند إليها الإنسان حينما يكبر.
كتابات كثير لن تصل إلى عمق هذه المشاهد المغربية لهذه الأم، التي تحمل العالم قليلا كي لا يسقط كله على قلب طفلها دفعة واحدة، تحمل عنه أول ارتباك وأول مرض وأول امتحان وأول هزيمة صغيرة.. ثم تتركه يمشي وهي تعرف أن الحياة ستخدشه، لكنها تأمل أن يكون في داخله ما يكفي من دفئها كي لا ينكسر بسهولة.
هكذا أحببت ذلك المشهد أمام المدرسة لأنه يمنحني شعورا عاليا وطاقة لا توصف، أمهات يجلسن على الرصيف، في شارع مغبر أمام باب مدرسة ابتدائية، وهن لا يعرفن أنهن يصنعن واحدة من أجمل صور العالم.. لا أحد يصفق لهن ولا كاميرا تتبعهن ولا أحد يكتب أسماءهن على لوحة شرف. ومع ذلك، في جلوسهن البسيط قوة شعرية هائلة، كأن المدينة كلها، بضجيجها وفقرها وتعبها، تهدأ لحظة أمام امرأة تنتظر ابنها.
وحين يخرج الأطفال في منتصف النهار، تنهض الأمهات، تتقدم كل واحدة نحو طفلها، تحمل عنه محفظته، هي تسأله ،تضحك قليلا، ثم تمسح العرق عن جبينه صغير وهي تمضي بالقرب منه نحو البيت، يعبران الأزقة والشوارع وهي تقول في نفسها لطفلها .. إن العالم قد يكون صعبا ، لكنك لن تعبره وحدك.






تعليقات الزوار ( 0 )