أخبار ساعة

00:09 - المحكمة التجارية بالبيضاء تمدد نشاط “سامير” لأربعة أشهر إضافية23:44 - زلزال مالي يهز جامعة “الكيك بوكسينغ”.. “مجلس الحسابات” يطوق المستقيلين والتحقيقات تكشف “مؤامرة” لإحباط الافتحاص23:09 - حقوقيون يطالبون بافتحاص مالية الغرفة الفلاحية لجهة الرباط22:05 - بحارة الصويرة يطالبون الوكالة الوطنية للموانئ بالتدخل لرفع عرقلة “خافرة الإنقاذ” 22:04 - أمهات يصنعن أجمل صور العالم20:23 - الملك يعين عبد النباوي لولاية ثانية ويستقبل أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية20:15 - استقبال ملكي بالرباط للأعضاء الجدد المعينين بالمحكمة الدستورية19:53 - المعارضة تفند إشاعة التصويت ضد لجنة تقصي حقائق “أضاحي العيد” بمجلس المستشارين19:26 - الحكومة تواصل دعم مهنيي النقل الطرقي لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات19:14 - العصبة الاحترافية تقاضي السنغالي باسين تأديبيا
الرئيسية » مقالات الرأي » الأمن القومي في عصر الحروب الذكية وما بعد الإنسانية في المجال العسكري

الأمن القومي في عصر الحروب الذكية وما بعد الإنسانية في المجال العسكري

يرتبط الأمن القومي للدول بمستوى التطورات العسكرية ارتباطا وثيقا، وذلك للدرجة التي كان فيها كبار المفكرين وإلى حدود العقود الأخيرة من القرن الماضي يعتبرون أن الأمن القومي يتلخص في الأمن العسكري، أي امتلاك قدرات الدفاع والهجوم بما يضمن سيادة الدول واستقلالها ويحمي مصالحها. ورغم أن مفهوم الأمن القومي تطور ليشمل عناصر مختلفة أبرزها تحقيق التنمية، وصيانة الحقوق الإنسانية الأساسية لأفراد الشعب، بما يعني عدم احتكار المستوى العسكري لكل الموارد والمقدرات، إلا أن هذا الأخير يظل العمود الفقري لحماية الأمن القومي،  حيث أثبتت التجارب التاريخية والمعاصرة أن قدرات الدولة على الردع، وعلى خوض الحرب، دفاعا وهجوما، لحماية كيانها، ومصالحها، وحلفائها، هي صمام الأمان الوحيد في الأوقات الحرجة في ظل البيئة الدولية الفوضوية.

في هذا السياق، لا يرتبط الأمن القومي العسكري للدولة فقط بقوام الجيوش، وتنوع الفروع العسكرية، والبنيات المؤسساتية العسكرية المتطورة، وهياكل القيادة والسيطرة وما إلى ذلك، ولكنه في ظل التطورات التكنولوجية المتسارعة اليوم، أصبح متعلقا بمستوى تطور البنية التحتية التكنولوجية، وقاعدة الإنتاج الصناعي العسكري. فإذا كان العنصر العسكري هو العمود الفقري لحماية الأمن القومي بشكل عام، فإن العمود الفقري اليوم للأمن العسكري هو البنية التحتية الصناعية والتكنولوجية، وتبعا لمستوى تطور هذه الأخيرة، يمكن قياس تطورات الجيوش والقدرات العسكرية للدول ومدى فعاليتها، ومعرفة ما يمكن أن تفعله وما لا يمكن تفعله، وبالتبع طبيعة واتجاهات تحركاتها على المستوى الإقليمي والدولي، حيث أن كل تحرك مرتبط بالقدرة على الفعل، والإرادة السياسية، والطموحات السياسية والإستراتيجية للمنافسين والخصوم والأصدقاء، لا تحدها إلا محدودية قدراتهم على تحقيق ما يريدون ويطمحون إليه. فكقاعدة عامة حيثما وُجدت القدرة، وُجد فعل  موازي لها في الحجم والاثر، أو وجدت القابلية للفعل التي يمكن أن تبقى كمصدر تهديد في البيئة المعنية في أي وقت.

في هذا الصدد، فإنه مع بروز منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل، امتد اليوم تيار ما بعد الإنسانية ليطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الحرب والفاعلين فيها وسبل صيانة الأمن القومي في ظل هذه التطورات التي تمثل حسب الخبراء الثورة العسكرية الثالثة بعد ثورة البارود، وثورة الأسلحة النووية. فمنظومات الأسلحة ذاتية التشغيل التي تعمل بدون تدخل بشري بعد التفعيل الأولي، وتقوم بكل مراحل العمل العسكري، أو بمستويات متدنية جدا من الإشراف البشري، الذي يبقى في كثير من الأحيان إشراف بلا معنى حقيقي، حيث يعمل العنصر البشري في مركز القيادة والتحكم فقط على المصادقة على الخيارات الخوارزمية للآلة، أو يفقد أحيانا السيطرة على منظومة السلاح للكثير من العوامل، هي كلها مع غيرها أمور ستغير بشكل جذري أساليب خوض الحرب في المستقبل القريب.

في ظل هذا الوضع الذي تصبح فيها الآلة، والبرمجيات الخوارزمية، شريكا أساسيا للإنسان، أو حتى بديلا، في اتخاذ القرار القتالي، وخوض العمليات القتالية المختلفة في البر والجو- فضاء والبحر، تصبح الجيوش التقليدية المعتمدة على البشر بشكل أساسي، وعلى أطنان الأسلحة التقليدية المُتحكم فيها بشريا، جيوشا متخلفة لا تنفع بشيء في أوقات الأزمات، بل مجرد آبار عميقة لاستنزاف ميزانيات الدول وأموال دافعي الضرائب بلا طائل، لأنها لن تكون فعالة في خوض الحروب المستقبلية والفوز بها، وهذا يشكل خطرا كبيرا على الأمن القومي للدول التي لم تقتحم هذا المجال بقوة وبجدية، فهي من جهة تنفق نفقات كبيرة على جيوش لا تنفع بشيء ويسهل القضاء عليها في أوقات الحروب من قبل القوات العسكرية المتطورة، وهي من جهة أخرى تضرب السلم الأهلي والأمن الداخلي من خلال التركيز على النفقات العسكرية منعدمة الجدوى على حساب التنمية وحقوق الإنسان التي تكفل الإستقرار والأمن الداخلي وتصون الجبهة الداخلية للدولة.

إن هذا الوضع يمكن تشبيهه بمثل بسيط من الأحداث الماضية في التاريخ، فكما لم تكن الجيوش المعتمدة على العدد البشري والخيول والسيوف والرماح وما إلى ذلك فعالة في صد غزوات الجيوش المسلحة بالعناصر البشرية المؤهلة، وبالبنادق النارية والمدافع والدبابات والطائرات وما إلى ذلك، وكان يتم القضاء عليها بسهولة مطلقة وفي وقت وجيز حتى عم الإستعمار كل البلدان المتخلفة عسكريا وصناعيا وعلميا في كل أنحاء العالم، فلن تكون الجيوش التقليدية اليوم وبشكل أكبر في المستقبل، والتي تعتمد على ترسانة من الأسلحة التقليدية غير الذكية، وغير المتماشية مع التطورات القائمة، قادرة على الوقوف والصمود في وجه الدول ذات القوى العسكرية المتطورة، والبُنى التكنولوجية رفيعة المستوى، وستصبح مسألة سقوط هذه الدول، والإستلاء على ثرواتها ومقدراتها بشكل مباشر أو غير مباشر، وخضوعها لأشكال من الإحتلال الجديد مسألة لا مفر منها، فهي مسألة وقت فقط، وواقع آتٍ لا محالة، ستعاني منه البلدان المتخلفة في هذا المجال. كما أن كل معادلات القوة والهيمنة على المستويات الإقليمية والعالمية، ستتغير حتما لصالح الأكثر تطورا وتقدما في التكنولوجيا ما بعد البشرية ومنظومات الأسلحة الذاتية.

ففي هذا السياق يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الذي سيملك ناصية التقدم في مجال منظومات الأسلحة ذاتية التشغيل القائمة على الذكاء الإصطناعي، ويحقق قصب السبق في هذا المجال، هو الذي ستكون له الكلمة الفصل على المستوى العالمي. كما يؤكد “أرمين كريشنان” الخبير الأمريكي البارز في دراسات الأمن القومي والعلوم العسكرية، على أن الدول ستدخل في سباق تسلح في هذا المجال، وستتنافس بشدة على تحقيق المراكز المتقدمة بغض النظر عن كل شيء أو اعتبار، وبالتالي يوصي بلده أن تمضي بقوة في هذا المضمار وأن تكون في المقدمة. وبالفعل قطعت اليوم القوى الكبرى والمتقدمة تكنولوجيا سواء على المستوى العالمي، أو المستويات الإقليمية، أشواط مهمة جدا في إعادة تحديث الجيوش وقواتها المسلحة، وأضافت فروعا جديدة خاصة بمنظومات الأسلحة غير المأهولة، وخصصت استثمارات مهمة لهذه المنظومات، بل وبدأت في النشر التجريبي لها في ساحات الحروب والنزاعات بشكل تدريجي، وهو ما ظهر جليا في الصراع الدائر في أوكرانيا، أو في حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل ضد غزة مع منظومة لفاندر(Lavender) ، ومنظومة جوسبيل (The Gospel)، أو كلود (Claude) الذي استخدمته الولايات المتحدة لتوليد الأهداف ذاتيا في الحرب التي شنتها على إيران في فبراير الماضي، إلى غير ذلك من أنواع المنظومات ذات الأهداف المختلفة.

هذا، وقد أظهرت الصراعات المسلحة المعاصرة الميزات الفريدة لهذه المنظومات، فهي أولا ذات تكلفة مالية بسيطة، وهي ثانيا تجنب المخاطرة بالعناصر البشرية التي قد تتعرض للقتل، أو الأسر فتصبح مشكلة أخرى، وهي ثالثا أظهرت قدرة فائقة على الفتك بأنواع الأسلحة التقليدية المختلفة والتجمعات البشرية العسكرية ومختلف المنشئات والأهداف العسكرية، بل أكثر من ذلك القدرة على فرض معادلات جديدة. فالمسيرات التي يطورها حزب الله مثلا، وبتكلفة مادية بسيطة، تفتك بدبابات الميركافا بملايين الدولارات، كما تحقق إصابات مؤكدة في التجمعات العسكرية للجنود الإسرائيليين، وبدقة متناهية. ومن جهة أخرى استطاع أنصار الله في اليمن وبالإعتمادة على تشكيلة متنوعة تضمن زوارق ومسيرات مستقلة وذاتية بالكامل السيطرة على مضيق باب المندب الإستراتيجي، بل واستهداف عمق الأراضي الفلسطينية المحتلة على بعد آلاف الكيلومترات، وهي كلها ميزات عسكرية فريدة بتكاليف مادية بسيطة، تحقق بفعالية الأهداف السياسية والإستراتيجية المطلوبة منها.

هذا، وعندما نتحدث عن الأمن القومي العسكري، فإنه لا يجب أن نغفل مسألة أساسية، وهي مسألة الإستقلالية العسكرية عن الغير، وهذا لا يعني بالضرورة إلغاء كامل للإعتماد المتبادل، فهو يتيح فرص معينة ضمن حدود معينة، بل أحيانا يكون ضرورة، وخاصة بين الحلفاء، ولكن المقصود هو الصناعة العسكرية الوطنية، فإيران مثلا تمتلك إلى حد بعيد اكتفاءً ذاتيا في المجال العسكري والتكنولوجي، من سماته البارزة مسيرات شاهد ذائعة الصيت، والتكنولوجيا النووية، وهو ما يمكنها من الصمود والإستمرار ويحقق لها الإستقلال الكامل، ويمكنها من مواجهة أي نوع من أنواع العدوان. كما استطاعت تركيا إلى حد ما اكتساح هذا المجال، وخاصة من خلال مسيرات بيرقدار. ومسألة الإستقلالية هذه، هي قضية مهمة جدا وحيوية في حسابات الأمن القومي، فالدول الأسيرة تكنولوجيا، والمعتمدة على نماذج الغير والبنى الصناعية الأجنبية في توفير حاجاتها العسكرية، هي دول ستبقى أسيرة سياسيا واقتصاديا، وستجد نفسها دائما مضطرة للتنازل وطأطأة الرأس أمام الكبار، وخاضعة للأجندات والترتيبات حتى ولو كان فيها ضرر كبير لشعوبها، ولا يمكنها أن تتحرر وتصون وجودها ومقدراتها وخياراتها إلا باقتحام عقبة الإنتاج العسكري الوطني بالمستوى المطلوب.

في هذا السياق، يعتبر المغرب اليوم في ظل المعطيات السياسية الإقليمية، وما يطبعها من تحديات، وأيضا بحكم موقعه الجغرافي، حيث من الشرق تناصبه الجزائر العداء وهي قوة عسكرية لا يستهان بها، والبوليساريو من الجنوب الشرقي وصولا إلى الجنوب، واسبانيا من الغرب والشمال، وهي دولة قوية ومتقدمة علميا وتكنولوجيا، وأيضا في ظل التجارب التاريخية المريرة من محاولات العدوان والإحتلال التي تعرض لها في فترات الضعف، وخاصة الضعف العسكري حيث كانت محاولات الإصلاح تقتصر على استيراد العتاد العسكري بل وحتى الأزياء العسكرية، يبقى في ظل هذه المعطيات مطالبا بخوض غمار الإنتاج المحلي العسكري والقطع مع ثقافة وعقلية الإعتماد على الغير، والعمل على تحقيق أعلى مستويات الإكتفاء الذاتي في هذا المجال اعتمادا على الكفاءات الوطنية التي عليه أن يعمل على تطويرها وصيانتها وتوفير البيئات الحاضنة لها، فالبلدان تتقدم بسواعد أبنائها، ولا توجد دولة تهدي لدولة أخرى التقدم وسبل النجاح ومقاليد القوة. وهناك تجارب مشجعة في هذا المجال، من أبرزها المسيرة أطلس (ATLAS EAGLEYE) التي كشفت عنها مؤخرا المديرية العامة للأمن الوطني، وهي مسيرة مغربية الصنع، كما اعتمدت القوات المسلحة بنجاح على المسيرات في عدد من العمليات العسكرية في السنوات الأخيرة، كما أطلقت الجامعات المغربية عدد من البرامج والتكوينات في مجال الذكاء الإصطناعي، وما إلى ذلك، وهي كلها نقاط مضيئة يجب البناء عليها للوصول إلى مستوى قاعدة إنتاج وطني متكاملة تلبي الحاجات الأمنية والعسكرية، في أفق إعادة تحديث الهياكل الأمنية والعسكرية وفق التطورات القائمة لتكون في مستوى التحديات المطلوبة مستقبلا.

باحث في الدراسات السياسية والقانونية

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

أمهات يصنعن أجمل صور العالم

4 يونيو 2026 - 10:04 م

منذ شهر شتنبر، وإلى غاية شهر يونيو، ظل مشهد صغير يوقفني في شارع أعبره كل يوم تقريبا وأنا أتوجه إلى

الكهنة الجدد والحنين المفضوح لزمن الاستعمار والحماية الجديدة

4 يونيو 2026 - 6:04 م

لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بنقاش عمومي  واستقطاب حاد، بين طرفين يراد لنا أن نتصورهم كنقيضين، الخونة والوطنيين، يوصف المدافعون

سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية وأثره في تكريس الأمن العقاري

4 يونيو 2026 - 2:24 م

شكل دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026 إحدى أبرز المحطات التشريعية والتنظيمية

حزب العدالة والتنمية بين مسطرة التزكيات والحسم المبكر في الترشيحات

4 يونيو 2026 - 1:59 م

شهد حزب العدالة والتنمية، مثل باقي الأحزاب المغربية الكبرى، تنافساً واضحاً حول تزكية مرشحي ومرشحات الحزب استعداداً للانتخابات التشريعية ل

المغرب والإمارات: تحالف الدولة الهادئة في زمن الفوضى العربية

3 يونيو 2026 - 7:39 م

لم يكن اللقاء الذي جمع جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°