في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والسياسية، لم يعد السلوك الانتخابي مجرد عملية تقنية مرتبطة بيوم الاقتراع، بل أصبح مدخلاً أساسياً لفهم المجتمع وتحولاته العميقة. فخلف كل ورقة انتخابية توضع في الصندوق تختبئ منظومات من القيم والرموز والانتماءات والعلاقات الاجتماعية التي تجعل من الفعل الانتخابي ظاهرة مركبة تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة.
وفي هذا السياق، تنظم جريدة الشعاع الجديد ندوة فكرية وعلمية بعنوان “أنثروبولوجيا السلوك الانتخابي بالمغرب: بين الولاءات التقليدية والتحولات الرقمية وأسئلة الديمقراطية الجديدة“، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين المتخصصين في العلوم السياسية والأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا السياسية، وهم: الدكتور محمد المعزوز، والدكتور محمد شقير، والدكتور عبد الغني منديب وتأطير الإعلامي نورالدين لشهب.
وتأتي هذه الندوة في سياق وطني ودولي يتسم بإعادة طرح أسئلة قديمة بصيغ جديدة: لماذا يصوت المواطن كما يصوت؟ وهل يتخذ الناخب قراره بناء على مصالحه الاقتصادية المباشرة، أم أن عوامل الهوية والانتماء والرموز الثقافية والولاءات الاجتماعية ما تزال تلعب دورا رئيسا وحاسما في تشكيل اختياراته السياسية؟
لقد أظهرت العديد من الدراسات العالمية أن التصويت لا يخضع دائماً لمنطق المصلحة الاقتصادية، بل كثيرا ما تحكمه اعتبارات ثقافية ورمزية وهوياتية. وهو ما يفسر ظواهر سياسية لافتة مثل تصويت بعض الفئات الفقيرة لأحزاب محافظة أو يمينية، أو انتقال قطاعات اجتماعية معينة من معسكر سياسي إلى آخر بفعل تحولات ثقافية أكثر منها اقتصادية كما أظهرت دراسات أكاديمية في الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الحالة المغربية، تكتسي هذه الأسئلة أهمية خاصة بالنظر إلى خصوصية البنية الاجتماعية والسياسية، حيث تتداخل الاعتبارات الاقتصادية مع الروابط العائلية والقبلية والجهوية، وتتقاطع الحسابات الفردية مع أشكال مختلفة من الرأسمال الرمزي والوساطة الاجتماعية وشبكات النفوذ المحلية.
ومن هذا المنطلق، تسلط جريدة “الشعاع الجديد“ الضوء على جملة من القضايا التي تشكل مفاتيح أساسية لفهم السلوك الانتخابي بالمغرب، من قبيل علاقة التصويت ببناء الزعامة السياسية والمحلية، وتأثير الدين والتدين الشعبي في تشكيل الاختيارات السياسية، ودور القبيلة والعائلة والجهة في صناعة الولاءات الانتخابية، فضلاً عن حضور العرف والتقاليد المحلية في توجيه القرار السياسي. كما تفتح الندوة نقاشاً حول الرموز والتمثلات الجماعية التي تؤطر نظرة المواطنين إلى الدولة والأحزاب والمنتخبين، وحول الكيفية التي تتحول بها بعض الشخصيات المحلية إلى زعامات انتخابية تتجاوز البرامج السياسية والخطابات الإيديولوجية.
كما ستناقش الندوة التحولات الجديدة التي فرضها الفضاء الرقمي، وصعود أجيال سياسية جديدة، خاصة جيل الشباب الذي بات يصنع أشكالا مختلفة من التعبئة والاحتجاج والتأثير خارج الأطر الحزبية التقليدية.
والسؤال الذي يطرح بلإلحاح: هل نحن أمام ولادة ثقافة سياسية جديدة؟ وهل ما تزال الأحزاب والمؤسسات التقليدية قادرة على استيعاب هذه التحولات وفهم مطالب الأجيال الصاعدة؟
ومن جهة أخرى، ستتوقف الندوة عند أزمة الثقة التي تطبع العلاقة بين المواطن والسياسة، وتراجع أدوار الأحزاب والنقابات والوسائط التقليدية، فضلا عن سؤال النخب والمثقفين ودورهم في تأطير النقاش العمومي وربط المجتمع بمشاريع الإصلاح والتحديث.
وتكتسي هذه الندوة أهمية خاصة لأنها تنعقد قبيل الاستحقاقات التشريعية المرتقبة سنة 2026، المزمع تنظيمها خلال شهر شتنبر المقبل، وهي محطة سياسية كبرى تطرح من جديد أسئلة المشاركة السياسية، والعزوف الانتخابي، وتحولات الخريطة الحزبية، ومستقبل الوساطة السياسية بالمغرب.
كما تمثل هذه الاستحقاقات الانتخابية مناسبة علمية لفهم الخلفيات الاجتماعية والثقافية والرمزية التي تؤثر في سلوك الناخبين، بعيداً عن القراءات التقنية والانتخابوية الضيقة.
إن أهمية هذه الندوة لا تكمن فقط في تناولها لقضية انتخابية راهنة، بل في محاولتها تفكيك البنيات العميقة التي تصنع السلوك السياسي للمغاربة، واستشراف ملامح التحولات القادمة في علاقة المجتمع بالدولة والأحزاب والمؤسسات التمثيلية.
وبذلك تفتح جريدة “الشعاع الجديد” فضاءً للنقاش العمومي الرصين حول إحدى أكثر القضايا إلحاحا في المغرب المعاصر: كيف يصوّت المغاربة؟ ولماذا يصوّتون بالطريقة التي يفعلونها؟ وما الذي تخبرنا به صناديق الاقتراع عن المجتمع المغربي وتحولاته؟ وهل ما تزال مفاهيم القبيلة والزعامة والوساطة والرمز قادرة على تفسير السلوك الانتخابي، أم أننا أمام ميلاد أنماط جديدة من الفعل السياسي تصنعها التحولات الرقمية والأجيال الصاعدة؟




تعليقات الزوار ( 0 )