قدم الدكتور محمد كريم بوخصاص، الإعلامي والأستاذ الجامعي، تشريحا دقيقا للأزمات الهيكلية التي تمنع الإعلام المغربي من التحول إلى قوة ناعمة حقيقية قادرة على هندسة الرأي العام بفعالية، معتبرا أن المشهد الحالي يعاني من “ترهل” جعل الصحافي يفقد في كثير من الأحيان بوصلة رسالته الوظيفية المتمثلة في الإخبار والتثقيف والرقابة.
وأكد الدكتور بوخصاص في مداخلة له بالندوة التي نظمتها جريدة “الشعاع الجديدة” بمقرها في الرباط، تحت عنوان “الإعلام والقوة الناعمة بين التأثير وصناعة القبول”، على أن هناك ثلاثة مستويات متداخلة تفسر هذا العجز: المناخ التشريعي العام، وهشاشة المقاولات الصحفية، والتمثل الذاتي للصحافي لوظيفته في المجتمع.
وفيما يخص الجانب الاقتصادي، أثار بوخصاص نقطة في غاية الحساسية تتعلق بالدعم العمومي، موضحا أن الصيغة الحالية التي اعتمدت بعد جائحة “كورونا”، والتي تتكفل فيها الحكومة بدفع أجور الصحفيين مباشرة، خلقت نوعا من الارتهان الخطير للسلطة التنفيذية.

واعتبر أن هذا النموذج لا يوجد في أي تجربة ديمقراطية، حيث تحول الدعم من آلية لتعزيز الخدمة العمومية إلى “سيروم” يبقي مقاولات هشة على قيد الحياة، مشددا على ضرورة تغيير هذه الفلسفة لتوجيه الدعم نحو المقروئية والجودة والابتكار الرقمي بدلا من مأسسة الولاء.
وفي الإطار ذاته، انتقد الأستاذ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، بشدة الفوضى التي يشهدها سوق الإعلانات في المغرب، واصفا إياها بمدخل للتأثير “أخطر من الدعم العمومي”.
وأوضح أن توزيع الإشهار لا يخضع لمعايير الجودة أو نسب المقروئية، بل يتحكم فيه المنطق التجاري الصرف أو الولاءات، في ظل غياب ميثاق أخلاقي ينظم هذا السوق.
وأضاف أن “القمع الاقتصادي” يمارس أحيانا عبر حرمان المنابر الجادة من الإعلانات، في حين تذهب الحصة الأكبر (نحو 80%) إلى العمالقة الرقميين (غوغل وفيسبوك)، مما يترك الفتات للمقاولات الوطنية ويؤدي بها إلى حافة الإفلاس.
وعلى المستوى المهني، طرح بوخصاص سؤالا جوهريا حول هوية الصحافي اليوم: “هل وظيفته هي التطبيل للقطار الذي يأتي في موعده، أم المساءلة عن القطار الذي تأخر؟”.

وأكد على أن الدور الأساسي للإعلام هو دور رقابي بامتياز، يمارس سلطته على السلطات الأخرى لصناعة رأي عام مواكب للتحولات.
واعتبر أن فقدان المصداقية هو السبب الرئيس وراء عزوف الجمهور عن دفع ثمن المحتوى الإعلامي، مشيرا إلى أن المتلقي المغربي مستعد للدعم والاشتراك (كما حدث في تجارب سابقة) إذا وجد إعلاما يعبر عنه بصدق ويقدم له تحقيقاً ومعلومة دقيقة.
ودعا بوخصاص إلى إحداث ثورة في النموذج الاقتصادي الخاص بالإعلام المغربي، ليرتقي إلى مستوى الصناعات الثقافية والإبداعية.
وشدد الإعلامي والأستاذ الجامعي على أن المنافسة اليوم لم تعد مع الجار القريب، بل مع تدفقات إعلامية دولية كبرى تمتلك ميزانيات ضخمة.
وأبرز أن تحصين الرأي العام المغربي وبناء قوة ناعمة وطنية يتطلب مقاولات مهيكلة، وصحافيين يتمتعون بوضع اجتماعي محفز واستقلالية مادية، ومنتوجا إعلاميا يتسم بالإبداع والجاذبية والمصداقية الأخلاقية، لأن “الجمهور ذكي ولا يمنح قبوله إلا لمن يحترم عقله”.
ويشار إلى أن الندوة ستنشر كاملة بالصوت والصورة على جريدة الشعاع الجديد والمنصات التابعة لها مساء اليوم الجمعة.


تعليقات الزوار ( 0 )