لا ندري نحن المغاربة هل نهنأ أنفسنا بهذا المولود الجديد، أم نبكي حظنا أم نلقي بالوليد المشوه في التراب؟! قد تفرح فئات من معشر المغاربة، بوصولها إلى الجنة التي طالما حلمت بها، دولة فئوية، دولة طوائف مصلحية بامتياز، حيث لا دستور ولا مؤسسات ولاقانون، فلكل طائفة دستورها ونظامها السري ومحاكمها الخفية، لاتقل مقتا عن طوائف وعصبيات التدين في الشرق الأوسط!
قوة طوائفنا، طوعت الدولة بتاريخها وأجهزتها، وتفوقت عليها بعدما ركعتها أمام “جبروتها”. وقد يبدو أنه لا داعي لدستور ورقي غير مجسد على أرض الواقع، ولاداعي لصرف الأموال على استفتاءات وانتخابات بشكل منتظم، لتنتج لنا في آخر المطاف، أوراقا تلقى كلها في سلة المهملات وفي المزابل، كلما تم المس بدائرة نفوذ و مصالح الطوائف والمماليك المصلحية في البلاد. فلقد أضحى لكل فئة “دستورها الحقيقي”، المكتوب بالمال والذهب، والبترول والغاز والنفوذ والمحسوبية، وأيضا بالتهديد والوعيد والتسريب!
إليكم مثلا مهنة المحاماة، تلك “المهنة الحرة” التي يفترض أن تكون مفتوحة لكل من يحمل الشهادة ويؤدي القسم مهما كان عمره. لكن في المغرب المنشود، تحولت إلى ناد مغلق، حصن حصين، تشرع له الحكومة والبرلمان الذين يمثلان جزءا من الأمة ومن الشعب المغربي والمنتخبان نظريا، فصارت مهنة تشبه القلعة، التي لا يدخلها إلا من يريده الجيل الحاكم منها حاليا.
ورغم كل التجارب الدولية الراسخة، وكل الاعراف والتقاليد العالمية، فإن كبار المحامين في المغرب ينتقون منها ما يشاؤون، ويغضون الطرف عما يشاؤون، حسب ما يرون من مخاطر منافسة أو فرص امتيازات. لقد فرضوا على الحكومة الممثل الشرعي للدولة شرطا إقصائيا أسطوريا، عندما أصروا على منع موظفي الدولة منعا كليا، من ممارسة المهنة ولو بشروط تعجيزية. حتى لو كان الموظف أستاذا للمساطر القضائية في محاكم البلد، أو في وزارة العدل نفسها، أو حتى حاملا لشهادة دكتوراه في القانون وبخبرة عشرين سنة في الإدارة العمومية، الجواب هو: اذهب أنت وموظفو الدولة إلى الجحيم، وأنت وقيم الأخوة والمصير المشترك والتضامن والمحبة الوطنية، فالمهنة “حرة”، أي نعم على مستوى الشعار، لكنها محتكرة ومشخصنة ولا مجال فيها لأي قيم وطنية!
إلى جانب هذا الشرط الأسطوري، فإن المحامين فرضوا على الدولة شهادة الماستر للولوج للمهنة، خلافا لكل التجارب الدولية عربيا وعالميا، رغم النقص الحاصل في عدد المحامين مقارنة مع عدد الساكنة. في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا كنموذج رائد في تنظيم المهنة، هناك سهولة في الولوج إلى المحاماة، وفيها حوالي مليون و أربعمائة ألف محامي، بنسبة محامي واحد لكل 250 مواطن، ويكاد يكون نفس الشيء في دول عديدة عبر العالم! فمتى يمكن أن نصل إلى هذا المستوى النموذجي في فتح المهن الحرة كتعبير عن تحرر الذهنيات من الخوف من المنافسة؟
هذا الاقصاء يعني شيئا واحدا، هو إقصاء متعمد لشريحة واسعة من أبناء الشعب المغربي. شريحة يتم اقصاؤها على دفعتين، الدفعة الأولى عند طلب التسجيل في الماستر في مختلف الجامعات، والدفعة الثانية عندما تريد ممارسة مهنة حرة كالمحاماة.
بالتأكيد إنهم يسيرون عكس كل التوجهات الدولية، في أوروبا وأميركا وكندا واليابان، ومصر والجزائر والأردن وغيرها، حيث يشجع الموظفون العموميون السابقون على الانخراط في المحاماة، لأنهم يعرفون القواعد من الداخل، فيثرون بذلك المهنة. إلا في المغرب يوجد من يحمي المهنة من الحق ومن الكرامة ومن المغاربة عموما، يا للعبقرية! ثم تساهم الدولة نفسها، في حماية ورعاية مطالب المحامين ضد موظفي الدولة، وكأن الموظفين هم الخطر الأكبر على سيادة القانون وعلى استقلالية المهنة!
وللمفارقة فإن الحزب الذي يدعي الانتماء إلى المرجعية الإسلامية، كان هو الحزب الوحيد الذي تراجع بميكيافيلية خبيثة، عن مقترحات وتعديلات لإصلاح حقيقي للمهنة. تراجع يرسخ ما هو معروف عن طبع الكثير منهم ممن مارس السياسة، طبع استغلالي وانتهازي، في ممارسة شؤون الدولة، بمنطق نفاق وكذب لا يختلف عن العلماني، أو عن صاحب المصالح الذي يحاربونه صباح مساء، بحجة تضارب المصالح وفشل الدولة الاجتماعية و سرقة أرزاق المغاربة!
والنتيجة الطبيعية هي أن المحامون صاروا طائفة فوق الطوائف. أقوى من المؤسسات، أقوى من البرلمان، أقوى من الدستور نفسه. لكنهم ليسوا وحدهم، فهذه بيئة مغربية صارت تنتج فقط مثل هاته الطوائف. ولننظر حولنا قليلا، سنجد طوائف في كل مكان، لكل منها اقطاعيتها المحددة. طائفة السياسة وبيع التزكيات لمن يدفع أكثر ولو كان مافيوزيا، طائفة العقار والبناء و صناعة قوانينها الخاصة، و”تراخيصها” التي لا يفهمها إلا أصحابها. طائفة التواصل التي تحتكر الأنشطة التواصلية كالمعارض والمهرجانات والمؤتمرات و الانتاجات السمعية البصرية، طائفة الصحافة الجديدة واحتكار الدعم والقرار، طائفة الفلاحة والصيد البحري التي تسيطر على التراخيص والمساعدات والدعم والصفقات، طائفة استيراد اللحوم والمواشي، التي تقرر أسعار واثمنة اللحوم والدواجن والخضر والأسماك في السوق كأنها دولة داخل الدولة! وقس على ذلك في كل المجالات.
وحتى العدول أرادوا أن يصيروا طائفة قوية على غرار باقي الطوائف المهنية القوية. لكنهم فشلوا في ذلك. الأسباب متعددة وأهمها الهشاشة التي تعرفها المهنة اقتصاديا وسياسيا، ثم محدودية تأثير ممارسوها المهني. إلى جانب ذلك انتصب تحالف فئوي قوي ضد العدول، بعض من هذا التحالف يكره كل شيء تقليدي مرتبط بالمرجعية الشرعية للمهنة ولا يقبل بالصيغة الدينية في ابرام العقود. بل إن هناك تيار داخل هذا التحالف، يتمنى لو تبرم عقود الزواج بشكل مدني، لدى ضابط الحالة المدنية في الجماعات المحلية بدل مكاتب العدول.
كل واحدة من هذه الطوائف أصبحت أقوى من أي مؤسسة رسمية. الدولة صارت مجرد “حكم” فاشل في مباراة لم يعد يسيطر عليها، أو أنه صار شيخا لا يقوى على مجاراة الاقوياء حوله فيختار المهادنة ولو على حساب تاريخه ومجده. حكم عجوز يحاول أن يفرض “المعايير” بين الطوائف القوية، فيفشل، فيصمت، فيكرم الجميع بـ”توازن” وهمي. هذا ليس ضعفا إداريا عاديا، هذا مؤشر سوسيولوجي عميق على أن الدولة فقدت احتكار الشرعية، وفقدت القدرة على فرض الانضباط، وبالتالي القدرة على مواجهة الامتدادات القوية داخلها!
الآن أصبح الشعار الحقيقي للمرحلة، الدستور السري الذي لا يكتب، لكنه يطبق يوميا بعيدا عن أكذوبة الدولة الاجتماعية، أو عن دولة حقوق الانسان أو دولة احترام الحق والقانون والمؤسسات: “فلتسقط المؤسسات… وليسقط الدستور… ولتسقط حقوق المواطن وكرامته!” هذا هو الدستور الحقيقي الذي تعترف به هذه الطوائف، وليس ذلك الذي يستفتى عليه في استفتاءات بهلوانية. فكل طائفة مصلحية لها دستورها، المحامون لهم دستورهم، الموثقون والأطباء لهم دستورهم، ربما أيضا الولاة والعمال لهم دستورهم، تجار العقار لهم دستورهم، مستوردو اللحوم لهم دستورهم… وماذا عن المواطن العادي؟ هو أيضا له دستور خاص مفروض علبه مكون من مادة واحدة فريدة: “اصبر واصمت وإلا لن تلوم إلا نفسك”!
اليوم، نحن نعيش في المغرب الفئوي المنشود، طوائف لا تُحكم بالقانون، بل بالتوازن الدقيق بين المصالح. دولة لا تفرض سيادة القانون بشكل منصف على الجميع، بل تُفاوض كل طائفة على حصتها. دولة لا تحمي المواطن الضعيف، بل تحمي الطوائف من بعضها… ومن المواطن نفسه!
فطوبى لمن فهم اللعبة مبكرا وانضم إلى طائفة ما، أما الجمهور الباقي، فليستمر في التصفيق للدستور، لشعار دولة المؤسسات، فهو جميل جدا على الورق. أما الدستور الحقيقي، فهو لا يُقرأ أمام العامة “الرعاع”، وإنما يتلى أناء الليل وأطراف النهار، فقط داخل غرف دافئة مغلقة طبقا لقاعدة: هادي ليك هادي ليا هذا للشعب! وبذلك تصنع السردية المغربية الحديثة: مرحبا بكم في المغرب الجديد: الدولة الفئوية التي طالما ناشدها المحميون، المغاربة “الحقيقيون”!





تعليقات الزوار ( 0 )