في واحدة من أكثر الرسائل النقدية جرأة تجاه تدبير الحقل الديني بالمغرب، فجّر الرئيس السابق لـالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أحمد الريسوني جدلاً واسعاً بعد هجومه اللاذع على ما وصفه بسياسة “العزل والتوقيف” التي تنهجها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في حق خطباء الجمعة والأئمة، معتبراً أن الوزارة تحولت إلى جهاز رقابي يطارد الخطباء حتى خارج أسوار المساجد.
وجاءت تدوينة الريسوني عقب توقيف خطيب مسجد الرضا بالرباط، الأستاذ عبد الحميد الطالب، في واقعة أعادت إلى الواجهة ملفاً شائكاً ظل يثير الكثير من الجدل داخل الأوساط الدينية والحقوقية، يتعلق بما يسميه منتقدون “مقصلة الخطباء”، في إشارة إلى مسلسل الإعفاءات المتكررة التي طالت عشرات الأئمة والخطباء خلال السنوات الأخيرة، غالباً دون توضيحات رسمية مقنعة للرأي العام.
الريسوني لم يكتف بالتعبير عن التضامن مع الخطيب المعزول، بل قدّم تشريحاً حاداً لما يعتبره “نزعة سلطوية” داخل تدبير الشأن الديني، حيث أصبحت خطبة الجمعة – بحسب قراءته – خاضعة لمنطق الضبط الأمني أكثر من خضوعها لوظيفة التوجيه والإرشاد. فالدولة، التي يفترض أن تؤطر المجال الديني وتحميه، تحولت – وفق هذا الطرح – إلى سلطة تمارس رقابة دقيقة على ضمائر الخطباء وآرائهم، حتى في تدويناتهم الشخصية وأنشطتهم الفكرية خارج المنبر.
وفي انتقاد مبطن لوزير الأوقاف، اعتبر الريسوني أن عهد الوزارة الحالي يشهد “ازدهاراً غير مسبوق” في عمليات الإبعاد والإعفاء، إلى درجة بات معها الخطيب يعيش تحت هاجس دائم من العقاب الإداري، وهو ما خلق – بحسب مراقبين – حالة من الرقابة الذاتية داخل المساجد، دفعت كثيراً من الخطباء إلى تجنب أي تناول لقضايا حساسة أو مواقف قد تُفهم باعتبارها خروجاً عن السقف المرسوم رسمياً.
غير أن أخطر ما جاء في خطاب الريسوني، هو اعتباره أن الوزارة تُنتج – من حيث لا تدري – جيلاً جديداً من “العلماء المحررين”، أي دعاة وخطباء فقدوا المنبر الرسمي لكنهم كسبوا هامشاً أوسع من الحرية خارج قبضة المؤسسة. وهي إشارة تحمل في عمقها اتهاماً مباشراً للسلطة الدينية بأنها تدفع الأصوات المستقلة نحو فضاءات موازية قد تكون أكثر تأثيراً وأقل قابلية للاحتواء.
ويرى متابعون أن المفارقة الصادمة تكمن في أن سياسة التضييق على الخطباء لم تعد تقتصر على مضمون خطبة الجمعة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبح بعض الأئمة مهددين بالتوقيف بسبب تدوينة أو رأي أو مشاركة فكرية، في مشهد يعكس اتساع دائرة الرقابة على التعبير الديني والفكري.
وفي الوقت الذي تبرر فيه الدولة هذه الإجراءات بالحفاظ على “الأمن الروحي” وتحصين المساجد من التوظيف السياسي أو الأيديولوجي، يعتبر منتقدو هذه المقاربة أن الإفراط في التحكم الإداري حول المنبر إلى فضاء شديد البرودة، فاقد للنبض المجتمعي، بعدما أُفرغت خطب كثيرة من روحها النقدية والتفاعلية، وأصبحت أقرب إلى خطاب رسمي معلب يخشى الاقتراب من قضايا الناس الحقيقية.
ويحذر متابعون من أن استمرار سياسة “التأديب الإداري” قد يؤدي إلى نتائج عكسية، عبر تعميق الفجوة بين المؤسسة الرسمية وبعض الفاعلين الدينيين، خاصة في عصر لم يعد فيه المسجد المصدر الوحيد للتأثير، بعدما انتقلت المعركة الحقيقية إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي.
وبين خطاب رسمي يرفع شعار “تنظيم الحقل الديني”، وأصوات ترى في ذلك “إخضاعاً ممنهجاً للمنبر”، يبدو أن الجدل حول حرية الخطباء وحدود سلطة الدولة في المجال الديني مرشح لمزيد من التصعيد، خصوصاً بعد الرسائل النارية التي بعث بها أحمد الريسوني، والتي أعادت فتح أحد أكثر الملفات حساسية داخل المشهد الديني المغربي.





تعليقات الزوار ( 0 )