يشهد فضاء الساحل الإفريقي، وخاصة في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، تحولات عميقة في بنية الفاعلين الجهاديين وطبيعة اشتغالهم، بما يعكس انتقالا نوعيا من نماذج الصدام المباشر إلى أنماط أكثر تعقيدا وبراغماتية في إدارة الصراع. في هذا السياق، تبرز جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كفاعل مركزي استطاع أن يعيد تشكيل حضوره ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال بناء شبكات تحالف محلية وتطوير مقاربات مرنة في الحكم والتدبير، الأمر الذي مكنه من توسيع نفوذه في بيئة تتسم بهشاشة الدولة وتفكك البنى المؤسسية.
أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في التقارب المتزايد بين الجماعات الجهادية وبعض الحركات الانفصالية الطوارقية، حيث لم يعد الصراع قائما على حدود أيديولوجية صلبة، بل أصبح تحكمه حسابات المصلحة والتكتيك. ففصائل من الطوارق، التي تبحث عن تموقع سياسي وعسكري يعزز مطالبها التاريخية، وجدت في التحالف مع جماعات جهادية فرصة لتعزيز قدراتها على الأرض، في حين رأت هذه الجماعات في تلك الفصائل مدخلا لاختراق المجتمعات المحلية وتثبيت حضورها الترابي. هذا التلاقي يعكس مستوى متقدما من البراغماتية، حيث تتراجع الصرامة الأيديولوجية لصالح منطق التكيف مع الواقع المحلي.
ضمن هذا المنحى، طورت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نموذجا يمكن وصفه بـ(الحكم المرن)، يقوم على تجنب الصدمات الاجتماعية التي قد تنفر السكان، وعلى مراعاة التوازنات القبلية والأعراف المحلية. فهي لا تسعى إلى فرض أنماط صارمة من التدين بشكل فوري، بل تعتمد التدرج، وتستثمر في وسطاء محليين مثل القضاة التقليديين، بما يمنحها قدرا من القبول النسبي داخل بعض الأوساط. هذا الأسلوب يختلف جذريا عن المقاربة التي تبناها تنظيم الدولة الإسلامية، والتي قامت على العنف المفرط والفرض القسري والسريع لنموذج حكم متشدد، ما أدى في كثير من الحالات إلى عزله اجتماعيا وإضعاف قدرته على الاستمرار.
الفارق بين النموذجين لا يقتصر على الوسائل، بل يمتد إلى الرؤية الاستراتيجية. فتنظيم القاعدة، من خلال فرعه في الساحل، يشتغل بمنطق النفس الطويل، مستثمرا في بناء التحالفات واختراق البنى الاجتماعية، بينما يعتمد تنظيم الدولة على تحقيق السيطرة السريعة ولو على حساب الاستدامة. هذا ما يفسر، إلى حد كبير، تفوق نموذج القاعدة في بيئة الساحل، حيث تتطلب السيطرة الفعلية قدرة على التكيف مع تعقيدات البنية القبلية والإثنية، وليس مجرد التفوق العسكري.
غير أن صعود هذه الجماعات لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق البنيوي الذي تعيشه دول المنطقة. فضعف الدولة المركزية، خاصة في مالي، وانهيار مؤسساتها، وعجزها عن تقديم الخدمات الأساسية وضمان العدالة، كلها عوامل خلقت فراغا سلطويا استغلته الجماعات الجهادية لتقديم نفسها كبديل. في مناطق واسعة، لم تعد هذه الجماعات ترى فقط كقوة متمردة، بل كفاعل قادر على فرض نوع من النظام، مهما كانت طبيعته، في مقابل غياب شبه تام للدولة.
في المقابل، أظهرت التدخلات الدولية، سواء كانت فرنسية أو روسية أو إقليمية، محدودية واضحة في معالجة جذور الأزمة، إذ انصبت بشكل أساسي على البعد العسكري، دون الانخراط الجدي في تفكيك الأسباب العميقة للصراع، مثل التهميش الاقتصادي، والهشاشة المؤسساتية، والتوترات الإثنية. هذا الاختزال الأمني أسهم في إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها، بل وأحيانا في تعقيدها عبر تغذية مشاعر الرفض المحلي للتدخل الخارجي.
أمام هذه المعطيات، يبدو أن منطقة الساحل مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة التشكل، حيث ستزداد التحالفات المحلية تعقيدا، وستواصل الجماعات الجهادية تطوير أدواتها وأساليبها بما يتلاءم مع السياق. ولم تعد هذه الجماعات مجرد تنظيمات قتالية هامشية، بل تحولت إلى فاعلين سياسيين/عسكريين يمتلكون قدرة عالية على التكيف، ويستثمرون بذكاء في هشاشة الدولة، ويعيدون صياغة مشروعهم وفق منطق براغماتي يوازن بين الأيديولوجيا ومتطلبات الواقع. وفي هذا المعنى، يمكن اعتبار الساحل اليوم مختبرا مفتوحا لتحولات الحركات الجهادية المعاصرة، حيث يجري اختبار نماذج جديدة من السيطرة والنفوذ قد يكون لها تأثير يتجاوز حدود المنطقة.






تعليقات الزوار ( 0 )