احتضنت دار الشباب علال بن عبد الله، صباح يوم السبت الماضي، فعاليات الملتقى السابع عشر للسرديات الجهوية الذي نظمته مختبر السرديات بالدار البيضاء بشراكة مع جمعية التنمية للطفولة والشباب بسوق السبت أولاد النمة، وسط حضور وازن لثلة من الباحثين والمبدعين والمهتمين بالسرديات المغربية.
استُهلت أشغال الملتقى بجلسة افتتاحية، ألقى خلالها عبد الله حفوظ كلمة باسم جمعية التنمية للطفولة والشباب، عبّر فيها عن اعتزازه بهذه الشراكة العلمية، مشيدا بالدور الذي لعبه مختبر السرديات في إنجاح هذا اللقاء الثقافي، وفي قراءة السرد المغربي في جهات المغرب المختلفة.
من جانبه، أبرز إبراهيم أزوغ، في كلمة مختبر السرديات بالدار البيضاء، الأهمية المتزايدة لملتقيات السرديات الجهوية، التي راكمت تجربة معتبرة عبر تنظيمها في عدد من مدن شمال المغرب وجنوبه وشرقه وغربه، مؤكدا أن الدورة الحالية تمثل المحطة السابعة عشرة ضمن هذا المسار، وشدد كذلك على القيمة العلمية لهذه اللقاءات في إضاءة متن واسع من نصوص التخييل المغربي، من خلال مقاربات متعددة ينجزها باحثون من تخصصات معرفية مختلفة، وفي ختام كلمته، أعلن عن الشروع في التنسيق والإعداد لملتقى مرتقب حول “المجال والذاكرة والمقاومة” بسوق السبت.
تميزت الجلسة العلمية الأولى، التي نسقتها سلمى براهمة، بغنى المداخلات وتنوع مقارباتها. حيث قدم خالد العنكري قراءة في “الرؤيا الثقافية” داخل الرواية النسائية، متخذا من رواية “آهات غالاتيا” لسمية قرفادي نموذجا، مبرزا كيف تعكس الكتابة النسائية انشغالات اجتماعية وثقافية عميقة، وتسهم في تمثيل قضايا المرأة داخل المجتمع المغربي. وفي مداخلة الحسين الرحاوي، تم الوقوف عند الأبعاد الجمالية والتأويلية لرواية “امرأة.. وبقايا رجل”، من خلال الإنصات للغة الكاتبة واستحضار أسئلتها الإنسانية المرتبطة بحرية المرأة ومسؤولية الإنسان.
أما مصطفى والغازي، فقد سلط الضوء على الأبعاد الاجتماعية في رواية “الخبز المر: نورس الطفل الحر”، مبرزا تمثلات التفكك الأسري والحرمان، ودور العلاقات الاجتماعية في ترميم الانكسارات النفسية.وفي السياق ذاته، قدم المحجوب عرفاوي قراءة في رواية “حرائق المائة عام” لعبد الله العدالي الزياني، ركز فيها على منسوب الخوف المركب الذي يطبع تجربة السارد بين المدينة والبادية، معتبرًا الرواية نصًا جديرًا باهتمام النقد المغربي. من جهتها، تناولت جهان عروف رواية “رياح الخطيئة” لعبد الكريم عباسي، مبرزة اشتغالها على ثنائية “الأنا والآخر” في سياق الهجرة، وما يرافقها من صراعات نفسية وثقافية، مع الدعوة إلى تجاوز إرث الماضي نحو قيم التعايش.
في الجلسة الثانية، التي نسقها شرقاوي زحافي، انصبت المداخلات على تفاعل الرواية مع التاريخ واللغة، حيث ناقش عمر محضار بلاغة التخييل التاريخي في رواية “عذراء غرناطة”، مبرزا دور السرد في إعادة بناء الذاكرة الجماعية وصياغتها فنيا.بدوره، قدم محسن الرودي قراءة في رواية “سيرة العبور الأخير” لمحمد رفيق، متوقفا عند تمثلات النهاية الكارثية للعالم في ظل حرب نووية، وما تحمله من أبعاد فلسفية وإنسانية حول المصير والبعث.أما زهير عزيز، فقد اشتغل على عنصر “المضمر” في رواية “ستائر الأنوثة” لحفيظة حسين، من خلال مقاربة تداولية أبرزت قوة اللغة الإيحائية في استعادة الذات من القهر الثقافي.في حين تناول عبد الله بن ناجي تقنيات السلطة السردية في رواية “الملك يموت مرتين” لأحمد الويزي، مبرزا آليات مثل إبهام السياق والتلاعب الزمني والتصوير الفني في التأثير على المتلقي.
الجلسة الثالثة، التي أدارها سالم الفائدة، واصلت تعميق النقاش حول قضايا السرد المغربي. حيث قدم شرقاوي الزحافي قراءة في صورة المرأة داخل السرد الجهوي، متسائلا عن تجلياتها ودلالاتها في المحكيات المغربية.من جهته، اشتغل محمد واقديم على بلاغة السرد في القصة القصيرة جدا من خلال أعمال عبد الله المتقي، مبرزا خصوصية هذا الجنس الأدبي القائم على الإيجاز والتكثيف وبناء مواقف نقدية تجاه الواقع. أما رضوان نحال، فقد تناول وظائف الإحالة في المجموعة القصصية “شفير النوايا الحسنة” للبنى اليزيدي، موضحا دورها في تحقيق الاتساق وبناء المعنى داخل الخطاب السردي. واختتمت الجلسة بمداخلة توفيق تجاني حول رواية “الأيام الحائلة” لسعيد الشرقاوي، حيث ناقش مفهوم “التحصن” في زمن الانهيار القيمي، باعتباره فعلا واعيا لمقاومة التفكك واستعادة المعنى داخل واقع مأزوم.
وأكد الملتقى الثقافي بسوق السبت أولاد النمة، في جلسة الختام، على حيوية البحث في السرديات المغربية، وعلى أهمية الانفتاح على مقاربات نقدية متعددة تستحضر أبعادا اجتماعية وثقافية وتاريخية وجمالية، بما يعزز مكانة الرواية والقصة المغربية داخل المشهد الثقافي الوطني والعربي، مثلما شكل اللقاء فرصة لتعزيز الحوار الأكاديمي وتبادل المعارف، في أفق ترسيخ تقاليد علمية قادرة على مواكبة تحولات الإبداع المغربي.


تعليقات الزوار ( 0 )