هناك حاجة ملحّة لمناقشة موضوع الخطاب، بكل أنواعه التعبيرية، بين الأنظمة الرسمية القطرية العربية، والأنظمة الرسمية التابعة للدول الإسلامية، وبين مجتمعات وشعوب تلك الأقطار والدول. تمهيداً لوضع ثوابت مبدأية تحكم تلك الخطابات وخلق أنظمة قانونية وتقاوضية للنظر في أية مماحكات وانتهاكات وخلافات تطال تلك الخطابات.
هذا موضوع أصبح بالغ الأهمية ومستعجلاً إلى أبعد الحدود، بعد أن أصبح تفجّر الخطابات الخاطئة التلاسنية، جزءاً من كل مشكلة سياسية أو أمنية تطال هذه المنطقة العربية، أو تلك، أو تطال هذه المنطقة الإسلامية أو تلك.
ومع أن تاريخ الأمة العربية والأمم الإسلامية مليء بوجود تلك الظاهرة، إلا أن ما شاهدناه من أمراض خطابية على المستويين الرسمي والمجتمعي الشعبي، إبان فجيعة غزّة خلال السنوات الثلاث، ونشاهده الآن إبان الهجمة الصهيو أمريكية على إيران وردود أفعال إيران، التي طالت كل دول مجلس التعاون.. قد طال كل الثوابت العروبية والإسلامية وأصبح يمثل تهديداً وجودياً للعلاقات العربية ـ العربية وللعلاقات العربية الإسلامية. فقد تعودنا في الماضي على أن نرى مشاهد الاحتكاكات والملاسنات الإعلامية، ما بين الدول وأنظمتها الإعلامية، لكن الوضع بالنسبة للاحتكاكات والملاسنات، بين الشعوب والأفراد، وخصوصاً على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي، ذاك الوضع المفجع الحالي، ينذر بأخطار جسيمة مستقبلية ستطال كل الأنظمة والمؤسسات المشتركة العربية والإسلامية بأشد العواقب والأخطار.
ما عادت تلك الملاسنات في شكل عتابات أخوية، أو في شكل طرح أسئلة تحتاج إلى إجابات، وإنما وصلت إلى حدود الغمز واللمز والتجريح، والاتهامات وتناسي كل المبادئ والقيم الأخوية العربية والإسلامية. وأصبح واضحاً أن ما كان الكيان الصهيوني والاستعمار الأمريكي يهدفان إليه، من تمزيق المجتمعات وتفتيتها وإدخالها في صراعات مذهبية وقبلية وثقافية وسياسية عبثية ونقلها إلى مؤامرة سايسبيكوية جديدة، يقترب من التحقق. ما عاد البعض يفتشون عن أسباب العجز، أو عدم الوقوف مع هذه الجهة العربية، أو الإسلامية أو تلك، ولا عن تعابير العتاب الأخوي الذي ينشد توضيحاً، ولا عن الخطوات التي نحتاج أن نخطوها ليخرج الجميع من هذه الأوضاع المأساوية، وإنما كل ما يفعلونه تجاه بعضهم بعضا هو اللّوم المستهزئ والغمز واللمز، وإلى نواقص المبادئ والأخلاق عند هؤلاء الأقوام وأولئك، بل النبش في التاريخ العربي الإسلامي، من أجل الحصول على مسبّبات اللوم والتحقير والتهديد بالتخلي الطوعي عن الهوية العروبية، وعن مستلزمات الأخوة الإسلامية. وهنا أشدّد على الدور السلبي الذي يفعله حقل التواصل الاجتماعي في إذكاء ذلك، وبعض الإذاعات ومحطات التلفزيون، التي أصبحت متخصصة في إذكاء كل أنواع الفتن، وفي الكذب، وفي التلاعب بالألفاظ، وفي تغطية الوجوه بألف ساتر تلفيقي يخفي كل الحقائق.
دعنا نؤكد في الحال أنه لن يكون التحسين اللفظي في الخطاب كافياً، على الرغم من أهميته، بل أصبح من الضروري خلق مؤسسات تقاضوية وتصالحية، مماثلة لما موجود لدى الاتحاد الأوروبي، من أجل النظر في أي خلافات، ووضع الخطوط الحمر التي لا يُسمح بتخطيها، وإعطاء تلك المؤسسات التصالحية صلاحية التدخل وإصدار الأحكام، وليس التراضي الضعيف المبتذل فقط. لقد كتب الكثير بشأن الأهمية القصوى لخلق تلك المؤسسات، منذ قيام الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومؤسسة التضامن العربي الإسلامي، ولكن من دون استجابة مع الأسف من غالبية أعضاء تلك المؤسسات، من أجل بناء جدار حقوقي تفاهمي صلب. ويأمل الإنسان، في هذه اللحظة المليئة بالآلام والأخطار التي نعيشها، أن يعاد طرح خلق أنظمة الخلافات والتقاضي والوساطات في هذه المؤسسات، التي تعاني الأمرّين في عملها، وذلك بسبب عدم وجود القدرات التنظيمية والقانونية والسياسية، التي هي في صلب كل تكتّل، من أي نوع وأي مستوى يكون مع الأسف. ولنا عودة إلى هذا الموضوع في مقالات قادمة بسبب الأهمية القصوى لمواجهة هذا الإشكال.






تعليقات الزوار ( 0 )