يتمتع مستشاروا الملك ، على غرار باقي مكونات النخب السياسية بمجموعة من المؤهلات المهنية والتقنية التي تسهل عملية انتقائهم من طرف الملك كمستشارين ضمن الديوان الملكي الذي يعتبر بمثابة المطبخ السياسي لصناعة أهم القرارات السياسية خاصة في عهد الملك الحسن الثاني .لكن يبدو أن هذه المؤهلات تخضع لمعايير سياسية تقوم على محددين أساسيين الاشتغال بالمحيط الملكي والاستوزار.
مستشاروا الملك والاشتغال بالمحيط الملكي
يبدو أن مسار بعض مستشاري الملك ارتبط عبر مراحله بالاشتغال ضمن محيط الملك سواء من خلال التدريس في المعهد المولوي أو عبر روابط الزمالة أو التكليف بمهمة في الديوان الملكي أو ترؤس إدارة الديوان الملكي:
– فالمستشار عبد الهادي بوطالب عمل أستاذا بالمدرسة المولوية بعدما تخرج من جامعة القرويين حيث كان أستاذا للملك الراحل الحسن الثاني والملك الحالي محمد السادس بالمعهد الملكي بالرباط. كما أن المستشار عباس الجيراري سبق أن عين أستاذا بالمعهد المولوي خلال الفترة ما 1979 و 2000 ، بعدما أحرز على دكتوراه الدولة في الآداب من الجامعة نفسها. وبهذا الصدد كتب بوطالب في مذكراته (نصف قرن من السياسة ) بأن السلطان محمد بن يوسف قد حضر الدرس الجامعي الذي ألقاه بعد تخرجه حيث ” تابع السلطان الدرس الجامعي الذي ألقيته ، وحضر أيضا وقائع الأسئلة والأجوبة في الحوار الذي أجرته معي اللجنة العلمية وحصلت بعده على نقطة 20 على 20 برتبة حسن جدا ” وهو الذي وقع شهادة تخرجه.
– في حين أن المستشار فؤاد عالي الهمة الذي يلقب بـ”علبة أسرار” الملك، و”الآتي من جنوب المغرب، ومن عائلة بسيطة، حيث كان والده رجل تعليم بسيط، انضم إلى زملاء ولي العهد سيدي محمد في المدرسة المولوية، هذه الزمالة التي تحولت إلى صداقة قوية، ومكنته من تسلق هرم السلطة الذي كان يطمحه له…”.
-بينما ترأس محمد عواد إدارة الديوان الملكي في عهد الملك محمد الخامس وتم تعيين أحمد رضى كديرة مديرا عاما للديوان في بداية عهد الملك الحسن الثاني مما منح له سلطات واسعة كانت” أكبر من سلطات باقي الوزراء”
من هنا يظهر بأن الاشتغال بالمحيط الملكي قد لعب دورا أساسيا في رسم المسار السياسي لبعض المستشارين من خلال ربطهم علاقات ثقة وروابط شخصية مع الملك سواء من خلال علاقات أستاذية أو زمالات دراسية أو صداقات شخصية .كما أن الاشتغال بالديوان الملكي فسح المجال لبعضهم للتدرج في تقلد مناصب وزارية في حكومات مختلفة. إذ ” يعتبر الديوان الملكي محطة عبور بين وزارتين لشخصيات النظام ، كما يقدم نقطة عبور استراتيجية لكل الذين ليست لهم وظائف آنية مهمة .وبذلك فإن الملحقين بالديوان كانوا مجرد عابرين في انتظار ما هو أحسن”
مستشارو الملك والتجربة الدبلوماسية والحكومية
يبدو أن الملك محمد الخامس كان يحرص على أن يحيط به رجال يحظون بثقته حيث أشار الباحث الأمريكي جون واتربوري في مؤلفه( أمير المؤمنين ) بأن ” الديوان الملكي عندما تم تكوينه سنة 1950 كان يضم بعض الرجال الذين يحظون بثقة محمد الخامس ، يشرف عليه آنذاك محمد أبا حنيني الذي كان أستاذا للاميرين مولاي الحسن ومولاي عبد الله بالمعهد السلطاني ” .لكن مع تولي الملك الحسن الثاني الحكم انضاف إلى معيار الثقة معيار الاستحقاق والخبرة الذي لا يتحقق إلا من خلال تقلد المناصب الوزارية . وبهذا الصدد كشف عبد الهادي بوطالب في إحدى استجواباته قائلا : “عندما أستُدْعيت من لدن جلالة الملك لأكون أحد مستشاريه الأربعة أحمد رضا اكديرة، وإدريس السلاوي وأحمد بن سودة، و(عبد الهادي بوطالب)، لم أكن أعرف طبيعة المهمة الجديدة، فقال لنا الملك: ستكونون مستشارين لي بالديوان الملكي، ودعوني أشرح لكم شروط اختيار المستشار والمؤهلات التي يجب أن تتوفر له ليشغل عن جدارة هذا المنصب الكبير، أنا لا أختار مستشارا لي إلا من تقلب في
وظائف وزارية كبرى ونجح فيها، وإلا من يتوفر على التكوين السياسي لرجل الدولة”.
ويوضح الجدول أسفله بأن جل مستشاري الملك الحسن الثاني قد راكموا تجارب سياسية من خلال تقلدهم لمسؤوليات دبلوماسية ووزارية:
المستشار الملكي التجربة المهنية التجربة الدبلوماسية التجربة الحكومية
عبد الهادي بوطالب التدريس سفير كاتب دولة ووزير(عدةمرات)
أحمد بن سودة الصحافة سفير كاتب دولة – وزير
أحمد رضى كديرة المحاماة وزير( عدةمرات)
محمد عواد التدريس سفير –
عباس الجيراري التدريس – –
إدريس السلاوي والي بنك المغرب سفير وزير(عدة مرات)
زليخة نصري الادارة – كاتبة دولة
مزيان بلفقيه الادارة – وزير (عدة مرات)
أندريه أزولاي الصحافة – –
محمد معتصم التدريس – وزير (مرتين)
وهكذا يلاحظ من خلال الجدول أعلاه أن سمتين قد طبعت مسار أغلب مستشاري الملك الحسن الثاني : الخلفية الدبلوماسية والتجربة الحكومية.
الخلفية الدبلوماسية
حرص الملك الحسن الثاني على تعيين بعض المحيطين به الذين سيصبحون مستشاريه فيما بعد سفراء في دول عربية أو غربية:
-فمحمد عواد الذي اختاره الملك محمد الخامس سكرتيرا خاصا لولي العهد آنذاك الحسن الثاني، وكان أول مدير عام للديوان الملكي سنة 1959، عينه الملك الحسن الثاني سفيرا لدى الجزائر المستقلة حديثا، حيث مكث فيها الى غاية 1965، ليعينه بعد ذلك سفيرا بتونس الى غاية 1967.
– كما عين الملك عبد الهادي بوطالب سفيرا للمغرب بكل من بيروت، دمشق، ليتم تعيينه فيما بعد سفيرا في واشنطن والمكسيك (1974-1976).
– كما عين الملك أحمد بنسودة سفيرا للمغرب في لبنان، خلفا لعبد الرحمن بادو السفير المغربي المعين من طرف الملك محمد الخامس.
ولعل انتقاء الملك الحسن الثاني لهذه الشخصيات للقيام بمهام دبلوماسية خاصة من خلال تعيينهم بعواصم عربية أو غربية حساسة كانت تعكس استفراد الملك بالمجال الدبلوماسي كمجال محفوظ للملك ، بالإضافة إلى الاستفادة مستقبلا من تجاربهم الدبلوماسية في إدارة السياسة الخارجية.
وهكذا “كان الملك يوفد بنسودة في مهمات سرية إلى رؤساء الدول العربية، سيما وأن بنسودة له صداقات عربية كثيرة، وهو موطن ثقة الفلسطينيين وتربطه صلات جيدة مع السعودية ودول الخليج. كما أنه خلال الثمانينيات من القرن 20 وبعدما أصبح المغرب قبلة للقمم العربية وأضحى جلالة الملك الراحل الحسن الثاني “مهندس القمم” في عيون العديد من المحللين، وقتئذ وجد أحمد بن سودة ضالته، وهو الخبير بأمور العالم العربي.فقد تولى آنذاك مهام دقيقة من بينها تليين مواقف الذين كانوا يتمنعون في كل مرّة عن حضور القمة. إنه صاحب العبارة الشهيرة “قمة عربية بمن حضر”، وهي القمة التي أعادت مصر إلى العالم العربي بعد سنوات المقاطعة بسبب “كامب ديفيد”.
التجربة الحكومية
يمكن القول أن الاستوزار قد طغى على مسار جل مستشاري الملك الحسن الثاني ، حيث كتب أحد الباحثين بهذا الصدد بأن ” أغلب مستشاري الملك الراحل الحسن الثاني استوزروا في الحكومات الأولى:ثلاثة على الأقل من مستشاري الملك الراحل الحسن الثاني ترددت أسماؤهم في الحكومات الأولى التي أعقبت الاستقلال ، وهم عبد الهادي بوطالب، الذي شغل في الحكومة الأولى منصب وزير الشغل والشؤون الاجتماعية وكان محسوبا على حزب الشورى والاستقلال، ومحمد عواد، كوزير للبريد والتلغراف والتلفون، وأحمد رضا اكديرة، الذي عمل وزير دولة باسم حزب الأحرار المستقلين.كما عهد إلى إدريس السلاوي في تلك التشكيلة بكتابة الدولة في الداخلية وقبله جرى تعيين مستشار آخر، هو أحمد بن سودة، كاتب دولة في الشبيبة والرياضة. فالملك الراحل الحسن الثاني كان يختار مستشاريه من بين الوزراء الأوائل في الحكومات المتعاقبة. وباستثناء أندريه أزولاي، الذي جاء من عالم المال والأعمال متأخرا، وعلال سيناصر الذي عمل بدوره وزيرا للثقافة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، فإن الاختيار الملكي ركز بالأساس على التمرس والخبرة في قطاعات عمومية. وكان أكثر المستشارين الملكيين من تعاقب على المسؤوليات الحكومية هما عبد الهادي بوطالب وأحمد رضا اكديرة. من بين المستشارين، سيتولى محمد عواد مسؤولية وزارة الدفاع في حكومة رئيس الوزراء عبد الله إبراهيم، خلفا لمحمد اليزيدي، بينما ستسند وزارة التجارة والصناعة والملاحة التجارية في الحكومة التي تلتها إلى إدريس السلاوي، وسيحتفظ ولي العهد الأمير مولاي الحسن بسلطات وزارة الدفاع. وعندما أسندت لأحمد رضا اكديرة في حكومة الملك الراحل الحسن الثاني وأسند وزارتي الداخلية والفلاحة، كان إدريس السلاوي قد توارى إلى الخلف كي يعود وزيرا للأشغال العمومية، وذلك قبل أن يصبح فيها إدريس السلاوي وزيرا للمالية في الحكومة الموالية.” وقد بقيت سمة الاستوزار مصاحبة لباقي المستشارين المعينين من طرف الملك الحسن الثاني:
– فعبد العزيز مزيان بلفقيه ،الذي بدأ مشواره المهني سنة 1968 بوزارة الأشغال العمومية بصفة مهندس إعداد سد مولاي يوسف على نهر تاساوت، وعين سنة 1974 رئيسا للقسم التقني بمديرية الطرق ثم مديرا للطرق من 1980 إلى 1983، وكاتب عام لوزارة الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر ابتداء من سنة 1983 إلى غاية 1992، عين في 17 نونبر 1993 وزيرا للفلاحة والإصلاح الزراعي. ليعاد تعيينه وزيرا للفلاحة والإصلاح الزراعي في الحكومة التي ترأسها عبد اللطيف الفيلالي. وفي 31 يناير 1995 كلفه الملك الراحل الحسن الثاني بمهام وزير الأشغال العمومية والتكوين المهني وتكوين الأطر بالنيابة. وفي فبراير 1995 عين وزيرا للأشغال العمومية، وفي 13 غشت 1997 عين وزيرا للفلاحة والتجهيز والبيئة، وهو المنصب الذي شغله إلى غاية مارس 1998.
– كما عين محمد معتصم وزيراً منتدباً لدى الوزير الأول مكلفاً بالعلاقات مع البرلمان في الحكومتين اللتين شكلتا في 11 نوفمبر 1993 برئاسة محمد كريم العمراني و7 يونيو 1994 برئاسة عبد اللطيف الفيلالي، قبل أن يعين في 25 فبراير 1995 مكلفاً بمهمة في الديوان الملكي، ليتم تعيينه بعد أربع سنوات على مستشاراً للملك.
– في حين عين الطيب الفاسي الفهري كاتبا للدولة في الشؤون الخارجية والتعاون في حكومات11 نونبر1993 و7 يونيو1994 و27 فبراير1995 و13 غشت1997 ليتم تعيينه من طرف الملك محمد السادس كاتبا للدولة في الشؤون الخارجية. و وزيرا منتدبا لدى وزير الشؤون الخارجية والتعاون في7 /11 /2002 .(2)
–وحتى زليخة نصري ،التي أمضت حياتها المهنية بمديرية التأمينات بوزارة المالية التي أدارتها منذ 1994 والتدريس في معاهد عليا مختلفة ، عينها الملك الحسن الثاني في غشت 1997 ، كاتبة للدولة لدى وزير الشؤون الاجتماعية مكلفة بالتعاون الوطني إلى غاية مارس 1998 ، حيث كانت واحدة من أربع نساء في الحكومة.
-ونفس الامر يصدق على عمرالقباج ، الذي عين وزيرا منتدبا لدى الوزير الأول في حكومتي كريم العمراني وعبد اللطيف الفيلالي، وعمر عزيمان الذي عين وزيرا للعدل. بل حتى فؤاد عالي الهمة سبق له أن عين وزيراً منتدباً بوزارة الداخلية خلال الفترة 1999-2000.
من هنا يظهر بأنه ، باستثناء اندريه أزولاي وعبد اللطيف المنوني وعباس الجيراري اللذين لم يسبق ان تولوا مناصب وزارية، فجل مستشاري الملك سواء في عهد الملك الحسن الثاني أو في عهد الملك محمد السادس سبق أن تقلدوا مناصب وزارية قبل تعيينهم مستشارين للملك.






تعليقات الزوار ( 0 )