شهد حقل دراسة الحركات الإسلامية خلال العقدين الأخيرين انتشارا لافتا لمفاهيم من قبيل )ما بعد الإسلام السياسي( و)ما بعد السلفية(. وقد برزت هذه الأطروحات غالبا في سياقات أزمات كبرى: فشل تجارب حكم، انقسامات تنظيمية، أو تحولات إقليمية عميقة (خصوصا بعد 2011). لقد قدم منظرو هذه الأطروحات، مثل أوليفييه روا وآصف بيات، تحليلات مهمة للتحولات التي طرأت على هذه الحركات، مشيرين إلى تراجع دور الأيديولوجيا الشمولية وبروز توجهات أكثر براغماتية واندماجا في السياقات الوطنية .
غير أن هذه الأدبيات تطرح إشكالا منهجيا أساسيا: إذ تفترض ضمنياً أن الحركات الأيديولوجية تسير وفق مسار خطي ينتهي إلى تحولات جذرية أو نهايات واضحة. وهو افتراض يحتاج إلى مراجعة نقدية، خاصة وأن التاريخ يظهر مرونة كبيرة لهذه الحركات وقدرتها على التكيف وإعادة التموضع بدلاً من الاندثار أو التحول الجذري الكامل. إن التحدي يكمن في فهم ما إذا كانت هذه التحولات تمثل قطيعة معرفية وتاريخية حقيقية، أم أنها مجرد تعبير عن ديناميات داخلية مستمرة تعكس قدرة هذه الحركات على البقاء والتأقلم.
إشكالية الدراسة: هل تعكس أطروحة )ما بعديات( تحولا تاريخيا حقيقيا في بنية الحركات الإسلامية، أم أنها مجرد توصيف مبالغ فيه لتحولات تكيفية داخل نفس البنية؟
أطروحة (ما بعديات) الجذور والإشكالات
ترتبط )ما بعديات( بثلاثة سياقات رئيسية أسهمت في بلورة هذه الأطروحات وتلقيها الواسع في الأوساط الأكاديمية والبحثية. أولا، وفرت أدبيات ما بعد الحداثة، التي تدعو إلى تفكيك السرديات الكبرى ونهاية الأيديولوجيات الشمولية، إطارا نظريا خصبا لظهور أطروحات المابعد في سياق الحركات الإسلامية. ففكرة )نهاية التاريخ( أو )نهاية الأيديولوجيا( وجدت صدى في محاولات فهم تحولات هذه الحركات، مما شجع على البحث عن مؤشرات على تراجع الأيديولوجيات الدينية.
ثانيا، شكلت إخفاقات تجارب حكم الإسلاميين في أعقاب ثورات الربيع العربي، لا سيما في مصر وتونس، صدمة كبيرة دفعت العديد من الباحثين إلى التساؤل عن مستقبل هذه الحركات. وقد فسرت هذه الإخفاقات كدليل على )فشل الإسلام السياسي(وضرورة الانتقال إلى مرحلة )ما بعد الإسلام السياسي( .
ثالثا هناك ميل تحليلي لدى بعض الباحثين إلى إعلان نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة، وهو ما قد يؤدي إلى المبالغة في تقدير حجم التحولات وتصويرها كقطيعة جذرية. هذه الرغبة قد تكون مدفوعة بالحاجة إلى تقديم أطر تفسيرية جديدة لظواهر معقدة ومتغيرة، مما يدفع أحيانا إلى تبسيط الواقع المعقد للحركات الإسلامية.
من أبرز المنظرين الذين أسهموا في بلورة هذه الأطروحات، نجد أوليفييه روا (Olivier Roy) الذي يرى في كتابه )فشل الإسلام السياسي( أن الإسلام السياسي، بشكله الأيديولوجي الشمولي، قد فشل في تحقيق أهدافه، وأن ما نشهده هو )خصخصة للدين( وتراجع لدوره السياسي المباشر . كما قدم اصف بيات (Asef Bayat) مفهوم (ما بعد الإسلاموية) كـ (حالة) و(مشروع). كحالة، تشير إلى تاكل شرعية الحركات الإسلاموية، وكـ مشروع، هي محاولة واعية لدمج التدين بثقافة الحقوق والحريات، والتأكيد على التعددية والمستقبل بدلا من الماضي . بالإضافة إلى ذلك، ركز جيل كيبل (Gilles Kepel) على تحولات السلفية الجهادية، مشيرا إلى تراجع موجة الجهادية الكبرى وظهور أشكال جديدة من التطرف، لكنه أيضا يميل إلى قراءة هذه التحولات كعلامات على نهاية مرحلة معينة .
تعاني هذه الأطروحات التي تتناول تطور الحركات الإسلامية من اختلالات منهجية عميقة تحد من قدرتها على الإحاطة الدقيقة بطبيعة هذه الظاهرة المركبة، وتؤثر بشكل مباشر على نتائجها التفسيرية واستنتاجاتها المستقبلية. ويبرز أول هذه الاختلالات في النزعة الخطية التي تحكم تصورها لمسار هذه الحركات، إذ تفترض وجود مسار تطوري منتظم يمر بمراحل محددة وثابتة تبدأ بالنشأة ثم الصعود فالأزمة لتنتهي بالانحسار أو الزوال. غير أن هذا التصور، رغم بساطته التفسيرية، يختزل الواقع في نموذج ميكانيكي جامد، ويتجاهل أن الظواهر الاجتماعية والسياسية، خاصة تلك المرتبطة بالدين، لا تخضع لمسارات مستقيمة بقدر ما تتسم بالحركية والتداخل والتكرار. فالتجارب التاريخية تكشف أن الحركات الإسلامية لا تتحرك وفق خط تصاعدي أو تنازلي ثابت، بل وفق ديناميات معقدة قد تتخذ طابعا دوريا أو حلزونيا، حيث تعيد إنتاج نفسها في سياقات مختلفة وبأدوات وخطابات متجددة. ومن ثم، فإن قراءة هذه الحركات بمنطق (البداية والنهاية) تفشل في التقاط قدرتها على التكيف مع الضغوط، واستثمار التحولات السياسية والاجتماعية لصالح إعادة التموضع بدل الانقراض.
كما أن الطابع المعياري الذي يطبع كثيرا من هذه الأطروحات يمثل عائقا إبستمولوجيا آخر، إذ لا يكتفي بعض الباحثين بوصف الظاهرة كما هي، بل ينطلقون من افتراضات مسبقة حول المسار المفترض أو المرغوب الذي ينبغي أن تنتهي إليه الحركات الإسلامية، وغالبا ما يتمثل هذا المسار في الاعتدال أو الاندماج في النظم القائمة أو حتى العلمنة التدريجية. هذه الخلفية المعيارية تقحم أحكاما قيمية داخل التحليل، فتتحول الدراسة من محاولة للفهم إلى أداة لتأكيد توقعات مسبقة، وهو ما يضعف من حيادها العلمي. فبدلا من تحليل الشروط الواقعية التي تحكم سلوك هذه الحركات، يتم إسقاط نماذج جاهزة مستمدة في كثير من الأحيان من تجارب تاريخية مختلفة، خصوصا الغربية منها، دون مراعاة الخصوصيات الثقافية والسياسية للعالم الإسلامي. وهذا ما يؤدي إلى إنتاج قراءات منحازة تفشل في تفسير استمرار بعض الحركات في تبني خيارات راديكالية ، رغم الضغوط التي تدفع نحو الاعتدال، كما تعجز عن فهم أسباب فشل مسارات الاندماج في بعض السياقات.
أما الإشكال الثالث فيتجلى في الخلط بين مفهوم الأزمة ومفهوم النهاية، وهو خلط يترتب عليه استنتاجات متسرعة حول مستقبل هذه الحركات. فالأزمات التي تمر بها الحركات الإسلامية، سواء كانت تنظيمية أو فكرية أو سياسية، غالبا ما تقرأ باعتبارها مؤشرا على أفولها النهائي، في حين أن التحليل الأكثر عمقا يكشف أن هذه الأزمات قد تمثل لحظات مفصلية لإعادة البناء وإعادة تعريف الذات. فالتاريخ السياسي يعج بأمثلة لحركات مرت بأزمات حادة كادت أن تعصف بوجودها، لكنها استطاعت، عبر مراجعات داخلية أو تحولات تكتيكية، أن تعود بأشكال جديدة وربما أكثر قدرة على التأثير. وعليه، فإن اعتبار الأزمة نهاية حتمية يعكس قصورا في فهم طبيعة التحول داخل الحركات، ويغفل أن الأزمات قد تكون جزءا من دورة حياة أطول تتخللها لحظات انكسار تعقبها مراحل إعادة تشكل. من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تحليلية تتجاوز القراءة السطحية للأزمات، وتتعامل معها بوصفها مؤشرات على التحول لا على الزوال.
إن تجاوز هذه الاختلالات المنهجية يقتضي إعادة بناء أدوات التحليل بما يسمح بفهم الحركات الإسلامية كظواهر دينامية مفتوحة، تتفاعل مع بيئاتها وتعيد تشكيل نفسها باستمرار، بدل اختزالها في نماذج جاهزة أو مسارات حتمية. فالمقاربة الأكثر دقة هي تلك التي تنطلق من الواقع المتغير، وتفسح المجال أمام تعدد المسارات والسيناريوهات، وتفصل بين الوصف والتحليل من جهة، وبين التقييم المعياري من جهة أخرى، بما يعزز من القدرة على إنتاج معرفة أكثر توازنا وعمقا حول هذه الظاهرة المعقدة.
نحو نموذج بديل التحول التكيفي
في مواجهة الإشكالات المنهجية التي تعتري أطروحات “ما بعديات”، نقترح نموذجا بديلا لفهم ديناميات الحركات الإسلامية، يرتكز على مفهوم (التحول التكيفي). هذا النموذج لا ينكر وجود التغيرات والتحولات، بل يعيد تأطيرها ضمن سيرورة مستمرة من إعادة الإنتاج والتأقلم، بدلا من اعتبارها قطيعة نهائية أو نهاية لمرحلة تاريخية.
وبدلا من فهم الحركات الإسلامية ككيانات جامدة تمر بمراحل نهائية محددة، يمكن النظر إليها كـ أنظمة دينامية مفتوحة. هذه الأنظمة تتفاعل باستمرار مع بيئتها السياسية والاجتماعية والثقافية، وتستجيب للضغوط الداخلية والخارجية بطرق تسمح لها بالبقاء والاستمرارية. إنها ليست مجرد هياكل تنظيمية ثابتة، بل هي كائنات حية تتنفس وتتطور وتتكيف مع المتغيرات المحيطة بها . تتميز هذه الأنظمة بكونها أنظمة مفتوحة تتلقى المدخلات من البيئة المحيطة بها، مثل الأزمات السياسية، التغيرات الاجتماعية، والضغوط الدولية، وتنتج مخرجات تتمثل في خطابات جديدة، استراتيجيات معدلة، وتحالفات متغيرة. هذا الانفتاح يجعلها قادرة على التعلم والتطور. كما أنها تتفاعل باستمرار مع البيئة السياسية، فهي ليست بمعزل عن النسيج السياسي لمجتمعاتها، وتتأثر بالأنظمة الحاكمة، وبالمعارضة، وبالمجتمع المدني، وبالقوى الإقليمية والدولية، مما يدفعها إلى مراجعة مواقفها وتكتيكاتها. والأهم من ذلك، أنها تعيد إنتاج ذاتها باستمرار، حيث لا تكمن قدرتها على البقاء في ثباتها، بل في مرونتها على إعادة إنتاج ذاتها، وهذا يعني أنها قد تغير من أشكالها التنظيمية، أو تعدل من أولوياتها الخطابية، أو حتى تتحول في استراتيجياتها، لكنها تحافظ على جوهرها الأيديولوجي أو مرجعيتها الأساسية .
يشير مفهوم التحول التكيفي إلى التغيرات التي تطرأ على الحركات الإسلامية كاستجابة للظروف المتغيرة، ولكن دون أن تصل هذه التغيرات إلى حد القطيعة الجذرية مع المبادئ الأساسية أو الأهداف النهائية للحركة. إنه تحول يحدث داخل الإطار الأيديولوجي العام، وليس خارج عنه. هذا التحول ليس قطيعة، بمعنى أنه لا يعني تخلي الحركة عن هويتها أو مرجعيتها الدينية، فالحركة لا تتحول إلى كيان مختلف تماما، بل تعيد تشكيل نفسها للحفاظ على وجودها وفاعليتها. على سبيل المثال، قد تتخلى حركة إسلامية عن العمل المسلح وتتبنى العمل السياسي السلمي، لكنها تظل حركة إسلامية تسعى لتحقيق أهدافها من منظور إسلامي. بل هو إعادة تشكيل داخلية، حيث ينصب التحول التكيفي على الجوانب التنظيمية والخطابية والاستراتيجية. قد تمس هذه الإعادة تشكيل الخطاب، من خلال تعديل لغة الخطاب، التركيز على قضايا معينة، أو إعادة تأويل بعض النصوص الدينية لتتناسب مع الواقع الجديد. كما قد تشمل التنظيم، بتغيير في الهياكل التنظيمية، أو في آليات اتخاذ القرار، أو في طبيعة العضوية. وأخيرا، قد تؤثر على الاستراتيجية، بتبني تكتيكات جديدة، أو تغيير في التحالفات، أو التركيز على مجالات عمل مختلفة (مثل العمل الدعوي بدلا من السياسي، أو العكس).
الفرضية المركزية لنموذج التحول التكيفي هي أن ما يبدو تحولا جذريا هو غالبا إعادة ترتيب للأولويات داخل نفس المرجعية. بمعنى أن الحركات الإسلامية، حتى عندما تبدو وكأنها تتغير بشكل كبير، فإنها غالباً ما تفعل ذلك للحفاظ على استمراريتها وفاعليتها ضمن إطارها الأيديولوجي الأصلي. إنها مرونة تكتيكية تخدم استمرارية استراتيجية. هذه الاستمرارية لا تعني الجمود، بل تعني أن هناك خيطا ناظما يربط بين مراحل تطور الحركة المختلفة، وأن التغيرات لا تمحو الجوهر، بل تعيد تشكيله وتأويله. إن الحركات الإسلامية، بمرجعيتها الدينية، تمتلك إطارا أيديولوجيا مرنا بما يكفي لاستيعاب التغيرات والتكيف معها، خاصة من خلال اليات مثل فقه الأولويات أو مفهوم (واجب الوقت) الذي سنتناوله لاحقا .
(واجب الوقت) بوصفه آلية تفسيرية
يعتبر مفهوم (واجب الوقت) أحد المفاهيم المحورية في الفكر الإسلامي، وقد اكتسب أهمية خاصة في سياق الحركات الإسلامية المعاصرة كآلية تفسيرية للتحولات التكيفية التي تمر بها. هذا المفهوم يتيح للحركات مرونة في الاستجابة للمتغيرات دون التخلي عن مرجعيتها الدينية، مما يجعله أداة قوية في تفكيك أطروحات (ما بعديات).
يشير مفهوم (واجب الوقت) إلى إدراك الفاعل الحركي لمتطلبات اللحظة السياسية والاجتماعية الراهنة، واتخاذ مواقف تكيفية وفقا لهذه المتطلبات، معتبرين أن هذا التكيف هو ما يقتضيه الشرع في هذا الظرف بالذات. إنه ليس مجرد براغماتية عشوائية، بل هو براغماتية مؤطرة بمرجعية دينية، تهدف إلى تحقيق المقاصد الشرعية العليا في ظل الظروف المتاحة .
يمكن النظر إلى مفهوم (واجب الوقت) بوصفه أحد أكثر المفاهيم تفسيرا لدينامية الحركات الإسلامية وقدرتها على الاستمرار داخل بيئات متقلبة سياسيا واجتماعيا. فالحركات لا تتحرك في فراغ نظري، بل ضمن سياقات ضاغطة تفرض عليها باستمرار إعادة ترتيب أولوياتها، وتكييف أدواتها، وإعادة صياغة خطابها. ومن هنا، فإن (واجب الوقت) لا يعبر فقط عن اجتهاد فقهي ظرفي، بل عن عقل عملي يحكم سلوك هذه الحركات، ويحدد كيفية إدارتها للتوتر القائم بين الثبات والتغير. فبدل أن يكون الالتزام الأيديولوجي عائقا أمام التكيف، يتحول عبر هذا المفهوم إلى إطار مرن يسمح بإعادة توظيف النصوص والمفاهيم بما يخدم البقاء والفاعلية.
ضمن هذا الأفق، يتداخل فقه المرحلة مع منطق الأولويات ليشكلا معا آلية لإنتاج القرار داخل الحركة. فالفعل لايبنى فقط على ما ينبغي فعله في المطلق، بل على ما يجب فعله الان، في ظل توازنات دقيقة بين المخاطر والفرص. هذا التحول من التفكير المعياري إلى التفكير السياقي يمنح الحركات قدرة على تجنب الصدامات غير المحسوبة، أو على العكس، خوض مواجهات حين تعتبرها ضرورية. ولذلك، فإن الانتقال من الدعوة إلى السياسة، أو من المعارضة إلى المشاركة، أو حتى من العنف إلى السلم، لا يمكن فهمه بوصفه تحولا نهائيا في الهوية، بل باعتباره استجابة مرحلية تضبطها حسابات (اللحظة التاريخية)
هذا المنطق نفسه ينعكس على مستوى الخطاب، حيث لا تظل المفاهيم ثابتة في دلالاتها، بل يعاد تأطيرها باستمرار. فحين تشتد الضغوط، قد يعاد إبراز مفاهيم مثل الصبر أو المصلحة أو درء المفاسد، وحين تنفتح الفرص، يُعاد تفعيل مفاهيم المشاركة والإصلاح والتدرج. إننا هنا أمام عملية إعادة توزيع للمعاني داخل النسق الأيديولوجي، دون أن يعني ذلك بالضرورة تفكيكه أو استبداله. فالمراجعات التي تعلنها بعض الحركات، سواء كانت جزئية أو أعمق، لا تخرج في الغالب عن هذا الإطار الوظيفي الذي يسعى إلى تصحيح المسار دون المساس بالبنية المرجعية الأساسية.
ولا يقل البعد التنظيمي أهمية عن البعدين الفقهي والخطابي، إذ يسمح (واجب الوقت) بإعادة ترتيب الأدوار داخل الحركة بما يضمن استمرارها. فقد يتم الفصل بين الدعوي والسياسي لتخفيف الضغط، أو دمجهما لتعزيز الحضور، وقد يعاد توزيع القيادة أو توسيع دائرة الفاعلين بحسب ما تقتضيه المرحلة. هذه المرونة التنظيمية تفسر لماذا تنجو بعض الحركات من أزمات حادة، بينما تتفكك أخرى ظلت أسيرة لنموذج جامد في العمل.
في هذا السياق، يصبح من الصعب التسليم بأطروحات (النهاية) التي ترى في كل أزمة أو تحول دليلا على أفول الحركات الإسلامية. فالتغير هنا لا يعني الانقطاع، بل يعكس قدرة على إعادة إنتاج الذات. إن ما يبدو في الظاهر تراجعا أو تحولا جذريا، قد يكون في العمق مجرد إعادة تموضع داخل نفس الإطار المرجعي. فالحركات التي انتقلت إلى العمل السياسي لم تتخل بالضرورة عن رؤيتها الشمولية، بل أعادت ترتيب وسائلها، كما أن الحركات التي أعلنت مراجعات فكرية لم تغادر دائما أرضيتها العقدية، بل أعادت صياغتها بما يتلاءم مع السياق.
بهذا المعنى، فإن واجب الوقت يحول التغير من كونه علامة على الضعف إلى مؤشر على الحيوية. فالحركة التي لا تتغير محكومة بالجمود، بينما الحركة التي تتغير بشكل مفرط دون ضوابط تفقد هويتها. أما التي تنجح في تحقيق توازن بين الثبات والتكيف، فهي الأقدر على الاستمرار. ومن هنا، يمكن فهم التحولات التي عرفتها الحركات الإسلامية – سواء في المغرب أو في سياقات أخرى – بوصفها سلسلة من التكيفات الوظيفية التي تستجيب لضغوط الدولة والمجتمع والنظام الدولي، دون أن تصل بالضرورة إلى حد القطيعة النهائية مع الذات.
إن القيمة التحليلية لهذا المفهوم تكمن في كونه يكشف أن ما يقدم أحيانا كتحولات بنيوية عميقة، ليس سوى تغيرات تكتيكية مؤطرة بمنطق الضرورة. وهذا لا ينفي إمكانية حدوث تحولات جوهرية في بعض الحالات، لكنه يحذر من التسرع في تعميم هذا الحكم. فالحركات الإسلامية، بحكم بنيتها الأيديولوجية والتنظيمية، تميل إلى الحفاظ على قدر من الاستمرارية حتى في لحظات التحول القصوى. لذلك، فإن قراءة مساراتها من خلال واجب الوقت تتيح فهماً أكثر دقة وتعقيدا، يتجاوز ثنائية الصعود والانهيار، ويقارب الظاهرة باعتبارها عملية مستمرة من إعادة التكيف وإعادة التشكل، لا مسارا خطيا ينتهي بالضرورة إلى الزوال.
. الجهادية العالمية: إعادة إنتاج
تمثل الحركات الجهادية العالمية، وفي طليعتها تنظيما (القاعدة) و(الدولة الإسلامية)(داعش)، نموذجا حيا لما يمكن تسميته بـ (السيولة التكيفية)، حيث تتجاوز هذه الحركات منطق الانهيار التقليدي لتدخل في دوامات مستمرة من إعادة الإنتاج السياقي. إن القراءات التي سارعت إلى تبني أطروحة (ما بعد الجهادية) كإعلان عن نهاية الأيديولوجيا أو انحسار المشروع الكوني أمام الضربات العسكرية، قد وقعت في فخ الخلط بين (الأزمة التنظيمية) و(الموت الأيديولوجي). فالحقيقة السوسيولوجية والفكرية لهذه الحركات تشير إلى أن ما يشهده العالم ليس قطيعة مع الماضي، بل هو عملية تحول جوهري في الأشكال مع ثبات في الماهية، حيث تعيد الجهادية صياغة أدواتها وهياكلها لتتناسب مع التغيرات الجيوسياسية المتسارعة، مستفيدة من حالة السيولة التي تعيشها المنطقة العربية والعالم.
لقد انتقلت الجهادية العالمية من النموذج القاعدي الذي تميز بنخبوية العمليات النوعية والقيادة الرمزية المركزية، إلى النموذج الداعشي الذي اجترح مفهوما جديدا وهو الجهادية الدولاتية، القائمة على السيطرة المكانية وإدارة التوحش. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير تكتيكي، بل كان استجابة بنيوية لواقع ما بعد الربيع العربي وانهيار مفهوم الدولة الوطنية في بعض السياقات. فبينما كانت القاعدة تعمل كشبكة عالمية لامركزية تهدف لنكاية العدو البعيد، سعى تنظيم الدولة إلى تجسيد اليوتوبيا الجهادية على الأرض، محولا الأيديولوجيا من مجرد نصوص نظرية إلىواقع سلطوي يمارس العنف المفرط كأداة للتمكين النفسي والمادي. إن هذا التحول يعكس قدرة فائقة على إعادة التموضع الاستراتيجي، حيث يتم استبدال الملاذات الآمنة التقليدية بمراكز عمليات ديناميكية قادرة على استقطاب المؤيدين عبر توظيف الوحشية كرسالة تواصلية عابرة للحدود.
وعلى الرغم من التباينات الظاهرية في الأساليب بين التنظيمين، إلا أن هناك (نواة صلبة) من المرجعية العقدية تظل بمنأى عن التحول أو التآكل. هذه النواة تستند إلى فهم متشدد للسلفية الجهادية، يرتكز على ثنائية العدو القريب والعدو البعيد، وتكفير المجتمعات والأنظمة التي لا تخضع لتصوراتهم الشمولية للشريعة. إن الرؤية الكونية للجهادية، المتمثلة في إقامة الخلافة العالمية، تظل هي المحرك الغائي الذي يمنح هذه الحركات شرعيتها البقائية. فالهزيمة العسكرية في الميدان لا تعني نهاية المشروع، بل تدفع به نحو الكمون الاستراتيجي بانتظار أزمات جديدة تتيح له الظهور بصيغة أكثر تطورا وتكيفا.
وبناء عليه، فإن التحول في مسار الجهادية العالمية هو آلية للبقاء وليس مؤشرا على الفناء، وهو ما يجعل من الظاهرة الجهادية كيانا قادرا على إعادة إنتاج نفسه باستمرار في قوالب جديدة تستعصي على التنبؤات التقليدية بالنهاية.
إن الاستنتاج العميق لهذا المسار يكمن في إدراك أننا لا نعيش عصر ما بعد الجهادية بالمعنى القطعي، بل نحن بصدد جهادية متجددة تتغذى على الفراغات الأمنية والتمزقات الهوياتية. إن هذه الحركات قد أثبتت كفاءة عالية في تحويل الأزمات إلى فرص، وفي استخدام الضغوط الخارجية كمحفزات للتطور البنيوي. فالجوهر الأيديولوجي يظل ثابتا كبوصلة توجه الفعل، بينما تظل الأدوات والجغرافيا والوسائل متغيرة كمتغيرات تابعة للسياق. إن القدرة على التكيف ليست مجرد مرونة تنظيمية، بل هي فلسفة وجودية تضمن استمرار المشروع الجهادي عبر الأجيال، مما يتطلب مقاربة فكرية تتجاوز الحلول الأمنية لتفكيك البنية العميقة لهذا التكيف المستمر.
الإسلام الحركي: إعادة توزيع لا نهاية
لا يمكن فهم ما يسمى بالإسلام الحركي بوصفه مشروعا ذا مسار خطي ينتهي عند لحظة فشل سياسي أو قمع أمني، بل هو أقرب إلى بنية دينامية تقوم على إعادة توزيع مستمرة للأدوار والوظائف والخطابات وفق ما تفرضه السياقات المتغيرة. فالحركات ذات المرجعية الإسلامية، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين، لم تظهر عبر تاريخها الحديث قابلية للانقراض بقدر ما أظهرت قدرة عالية على التكيف، حيث تنتقل بين أنماط اشتغال متعددة دون أن تمس جوهر مرجعيتها. هذا التكيف لا يتم عبر قطيعة فكرية حقيقية، بل عبر إعادة ترتيب الأولويات وتغيير الواجهات، وهو ما يجعل التحول فيها تحولا وظيفيا أكثر منه تحولا بنيويا.
في هذا الإطار، يصبح مفهوم (واجب الوقت) أداة تفسير مركزية لفهم سلوك هذه الحركات، إذ يتيح لها تبرير الانتقال من طور إلى آخر دون الإقرار بفشل النموذج أو مراجعة الأسس النظرية. فعندما تغلق أمامها آفاق المشاركة السياسية، تعود إلى الاستثمار في المجال الدعوي والتربوي باعتباره فضاء لإعادة بناء القاعدة الاجتماعية وضمان الاستمرارية. وحين تتاح لها فرصة الانخراط السياسي، تعيد تفعيل خطاب المشاركة والإصلاح من الداخل، مع تقديم نفسها كفاعل معتدل وقابل للاندماج. هذه الحركة المزدوجة بين الانكفاء والانخراط ليست تناقضا بقدر ما هي تعبير عن عقل استراتيجي براغماتي، يدرك أن البقاء يمر عبر التكيّف لا المواجهة.
غير أن هذا التكيف لا ينبغي أن يفهم باعتباره مراجعة فكرية عميقة، لأن أغلب ما يطرح في سياق (المراجعات) يظل في حدود التكتيك الخطابي، حيث يتم تخفيف حدة المفاهيم الكبرى مثل الشريعة والخلافة دون التخلي عنها فعليا. إذ تبقى هذه المفاهيم حاضرة في البنية الذهنية للحركة، لكنها تعاد صياغتها بلغة مرنة تتلاءم مع السياق السياسي والاجتماعي. وهذا ما يفسر القدرة على الجمع بين خطاب مدني ظاهري ورؤية مرجعية تحتفظ بأفقها الشامل، مما يخلق نوعا من الازدواجية بين المعلن والمضمر.
الأكثر دلالة في هذا السياق هو ما تشهده الحقول الإسلامية من سيولة أيديولوجية متزايدة، حيث لم تعد الحدود بين التيارات واضحة أو ثابتة. فظاهرة تسلف الاخوان تكشف عن قابلية بعض مكونات الإسلام الحركي لامتصاص عناصر من الخطاب السلفي، خصوصا في المجالات الفقهية والاجتماعية، في حين تعكس حركية السلفيين انتقال بعض التيارات السلفية من الانغلاق الدعوي إلى الانخراط السياسي. هذا التداخل لا يعني ذوبان الفوارق، لكنه يدل على وجود عمليات تأثير متبادل تعيد تشكيل الخريطة الداخلية للتيار الإسلامي بشكل مستمر.
إن ما ينتج عن هذا التفاعل هو بنية مرنة يصعب إخضاعها لتصنيفات جامدة، حيث تتحول الحركات الإسلامية إلى أنظمة مفتوحة تتأثر بالبيئة وتؤثر فيها، وتعيد إنتاج نفسها بأشكال مختلفة دون أن تفقد هويتها الأساسية. لذلك فإن الحديث عن نهاية الإسلام الحركي أو قطيعته مع ماضيه يبدو تبسيطا مخلا، لأنه يغفل الطبيعة التراكمية والتكيفية لهذه الظاهرة. فالإسلام الحركي لا يتقدم في خط مستقيم، بل يتحرك في مسارات متعرجة، يعيد فيها توزيع أدواره كلما تغيرت الشروط، محتفظا بخيط ناظم يربط بين مراحله المختلفة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن قوة هذه الحركات لا تكمن في صلابة بنيتها بقدر ما تكمن في مرونتها، ولا في وضوح حدودها بقدر ما تكمن في قدرتها على اختراق الحدود وإعادة تشكيلها.
الخاتمة
في الختام، يتبين أن أطروحات ما بعديات في دراسة الحركات الإسلامية، على الرغم من أهميتها في لفت الانتباه إلى التحولات التي تمر بها هذه الحركات، إلا أنها تعاني من قصور منهجي وتحليلي. فالافتراض الخطي بوجود (نهاية) أو (قطيعة) لا يتناسب مع الطبيعة الدينامية والمرنة للحركات الإسلامية. وبدلا من ذلك، نقترح نموذج (التحول التكيفي) المدعوم بمفهوم (واجب الوقت) كإطار تحليلي أكثر دقة وشمولية.
لقد أظهرت التطبيقات التحليلية على الجهادية العالمية والإسلام الحركي أن ما يبدو تحولا جذريا هو في الحقيقة إعادة إنتاج سياقية، وإعادة توزيع للأدوار، ومراجعات تكتيكية تهدف إلى الحفاظ على استمرارية الحركة وفاعليتها. إن الحركات الإسلامية، بمرجعيتها الدينية، تمتلك آليات داخلية (مثل فقه الأولويات وواجب الوقت) تمكنها من التكيف مع المتغيرات دون التخلي عن جوهرها الأيديولوجي أو أهدافها النهائية.
إن فهم الحركات الإسلامية كأنظمة دينامية مفتوحة، قادرة على التكيف وإعادة الإنتاج، يفتح افاقا جديدة للبحث، ويتجاوز ثنائية الصعود والانهيار أو القطيعة والاستمرارية. فالمستقبل لا يحمل بالضرورة نهاية لهذه الحركات، بل يحمل أشكالا جديدة من التكيف والتموضع، مما يتطلب أدوات تحليلية أكثر مرونة وعمقا لفهم هذه الظواهر المعقدة.
المراجع
[1] وليد عبد الحي. الحركات الإسلامية: قراءة في المنهج والتحولات. مركز الجزيرة للدراسات، 2010.
[2] فهمي هويدي. الإسلام والدمقراطية: سؤال المنهج. دار الشروق، 1993.
[3] عبد الوهاب المسيري. موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية. دار الشروق، 1999.
[4] يوسف القرضاوي. فقه الأولويات. مكتبة وهبة، 1995.
[5] محمد عمارة. الإسلام والتحديات المعاصرة. دار الشروق، 2000.
[6] حسن الترابي. الحركة الإسلامية في السودان: كسباً وخسارة. دار الساقي، 2002.
[7 برنارد هيكل. إحياء السلفية. جامعة برينستون، 2009.
[8] إبراهيم البيومي غانم. الإخوان المسلمون: سبعون عاماً في الدعوة والسياسة. مكتبة مدبولي، 1999.
[9] ستيفان لاكروا. زمن الصحوة: صعود الإسلاميين الجدد في مصر. دار الشروق، 2011.






تعليقات الزوار ( 0 )