أخبار ساعة

21:34 - نظرية التغيير عند منير شفيق  والواقع العربي المعاصر21:12 - الدعم المقدم لمهنيي النقل الطرقي يشهد ارتفاعا21:05 - تخصيص أزيد من 19 مليون درهم لمشاريع تشجيع تمثيلية النساء20:50 - فوضى “الساعات الإضافية” ترهق الأسر بسيدي بنور ومطالب بتدخل السلطات20:09 - الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية19:39 - تحطم مسيرة أمريكية نادرة وباهظة الثمن فوق مضيق هرمز19:08 - شغيلة الصحة بمراكش تحتج دفاعا عن “الكرامة والعدالة المهنية”18:43 - وزارة الصحة تحين نظام تعويضات الحراسة بإجراءات جديدة تنهي مقتضيات 200718:41 - من وثيقة المدينة إلى هندسة الإسلام المغربي.. خطبة جمعة تتحول إلى بيان دولة!؟ 1/218:09 - الحكومة تصادق على مرسوم دعم ترشيحات الشباب وتؤجل مشروع قانون مكتب الأعمال الجامعية
الرئيسية » الرئيسية » من وثيقة المدينة إلى هندسة الإسلام المغربي.. خطبة جمعة تتحول إلى بيان دولة!؟ 1/2

من وثيقة المدينة إلى هندسة الإسلام المغربي.. خطبة جمعة تتحول إلى بيان دولة!؟ 1/2

في مشهد قد يبدو، للوهلة الأولى، مجرد تتابع عادي للأحداث، عيّن الملك محمد السادس، بصفته أميرا للمؤمنين، يوم الثلاثاء 14 أبريل 2026، اليزيد الراضي أميناً عاما جديدا للمجلس العلمي الأعلى. لكن وضع التعيين في سياقه الأوسع، يكشف في اعتقادي، أن الأمر يتجاوز مجرد إجراء إداري أو تداول على المسؤوليات، إلى بناء حلقة مهمة ضمن مسار هادئ ومتدرّج يجري من خلاله إعادة تشكيل الحقل الديني بالمغرب.

تأطير التعيين الجديد على رأس هذه المؤسسة الدستورية المؤطرة للشأن الديني في هذا الاتجاه، جعلني أعيد التفكير في مضامين خُطبة الجمعة الأخيرة (10 أبريل 2026)، التي أصغيت لها بأحد مساجد الدارالبيضاء، وتأكد لي أن تلك الخطبة هي، في الواقع، تعبير “وعظي” عن بيان سياسي للدولة المغربية، وليست فقط استعادة تقليدية للسيرة النبوية من خلال الإحالة على وثيقة إسلامية معروفة تاريخيا باسم “صحيفة المدينة”…

ومن الضروري التنبيه، هنا، إلى أن هذا الربط، الذي قمت به، بين التعيين الملكي ومضامين الخطبة، لا أعتبره قراءة نهائية أو “حقيقة” مكتملة، إنه اجتهاد تحليلي أريد به فتح نقاش عمومي هادئ ومسؤول ومثمر ومنتج حول تحولات الحقل الديني في المغرب. فهو منظور يحتمل الصواب كما يحتمل الخطأ، تماشيا مع مقولة الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأيُ غيري خطأ يحتمل الصواب”… ومن ثمة، فإن الغاية هي الإسهام ودعوة إلى المساهمة في إثراء النقاش العمومي، وفتح المجال أمام قراءات متعددة قد تُغني هذا التصور أو تُعيد صياغته في أفق فهم أعمق لما يجري بناؤه، بهدوء، في عمق مغرب اليوم…

قد يرد البعض أن هذه مجرد خطبة جمعة، ولا تحتمل كل هذا التأويل… قد يكون هذا صحيحا لو كان مؤطرا ضمن اجتهاد فردي لخطيب في أحد المنابر، والحال أن الأمر يتعلق بنص مكتوب، أي نص مُفكر فيه ومضبوط، تُعدّه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ويُعمم على مختلف مساجد المملكة. وهو ما يجعل من المنبر، في هذه الحالة، ليس فقط فضاء للوعظ، وإنما قناة مؤسساتية لإنتاج خطاب ديني موحد، وأداة دينية ضمن هندسة سياسية أشمل للدولة.

ولهذا أقول إن خطبة الجمعة الأخيرة جاءت بمثابة بيان سياسي يحدد كيف تريد الدولة أن يُفهم الدين داخل المجتمع، وكيف يُعاد تأطيره في زمن دولي مضطرب تتنازع فيه الهويات وتتصادم فيه المرجعيات… لقد مثلت الخطبة تعبيرا عن مسار مغربي لتثبيت رؤية دينية-دستورية، يتم تقديمها للمصلين باعتبارها جزءا من هوية الدولة المغربية الحديثة، كما تتجلى في مفهوم “إمارة المؤمنين اليوم”…

الخطيب لم يبدأ من التسامح كشعار أخلاقي، لقد انطلق من فكرة أكثر عمقا: “الدين للحياة، والحياة لا تستقيم بدون نظام، ولا نظام بدون قوانين”. هذه العبارة، كما وردت في الخطبة، هي عبارة دينية طبعا، لكنها، في الوقت نفسه، سياسية بامتياز، لأنها تؤسس لفكرة مركزية: الدين مثلما هو علاقة روحية بين الفرد أو العبد وخالقه، هو أيضا إطار لتنظيم المجتمع، على قاعدة أن يُضبط بالقانون.

ومن هنا جاءت إحالة الخطيب على وثيقة تعتبر من أبرز “وثائق العهد” في الإسلام، وعددها ثلاث: الأولى “صحيفة المدينة” (1 هجرية) كتبها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار واليهود لتأسيس دولة قائمة على المواطنة المشتركة والتعاون الدفاعي… والثانية “صلح الحديبية” (6 هجرية) كتبها النبي ﷺ لتنظيم العلاقة مع قريش لتحييدهم خلال عملية بناء أسس أول دولة إسلامية… والثالثة “العهدة العمرية” (بين 15 و16 هجرية) كتبها عمر بن الخطاب لأهل القدس لضمان سلامة كنائسهم وممتلكاتهم وحريتهم الدينية…

وبالعودة إلى “صحيفة المدينة”، التي تعتبر “أول دستور في الإسلام”، كما جاء على لسان الخطيب، فهي نص تاريخي يقدم نموذجا مبكرا لدولة متعددة المكونات، تجمع بين المهاجرين والأنصار واليهود داخل كيان واحد، قائم على المساواة في الحقوق والواجبات “بغض النظر عن العرق أو الدين”…

لكن المثير للاهتمام في الخطبة أن الإمام تجاوز تقديم الوثيقة كحدث من الماضي، إلى عرضها علينا كمرجعية في الحاضر لتأطير فهم معين للدولة والدين، قائم على التعدد… وهذا ما أحالني على بداية فهم خطة “تسديد التبليغ”، التي أشرف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب، سعيد شبار، على إطلاقها في 5 يونيو 2024، والتي أعطت أهمية قصوى للاجتهاد ولمقاصد الدين، في إطار مشروع إصلاحي يرمي إلى تقليص الهوة بين الدين والتدين، من خلال تركيز الخطاب الديني على الأخلاق والعمل الصالح (الحياة الطيبة).

يأتي هذا شهورا قليلة بعد أن عرضت جماعة العدل والإحسان وثيقتها السياسية على الدولة والمجتمع المغربي ومعهما الغرب نفسه…

خطبة الجمعة المذكورة ذهبت أبعد من ذلك، حين أعادت قراءة الهجرة النبوية كحدث ديني تأسيسي وأيضا كتحول سياسي، ما يؤشر إلى أن الدين، حين يتم تأطيره داخل الدولة، يتحول من مجرد عقيدة إلى نظام. وهذا، في رأيي، هو ما يشتغل عليه النموذج المغربي…

هذا المعنى يجد امتداده في الخطاب الرسمي، حيث أكد الملك محمد السادس، في أكثر من مناسبة، أن “أمير المؤمنين” هو ضامن حرية ممارسة الشعائر الدينية لجميع الشرائع والملل: (المؤمنين، اليهود، النصارى، الصابئين)، وأن المغرب فضاء تتجاور فيه مساجد المسلمين وكنائس المسيحيين وبِيَع اليهود في انسجام تاريخي. فحين يؤكد الملك محمد السادس، مثلا، أنه “أمير المؤمنين، على اختلاف دياناتهم”، فهو لا يكتفي بالإعلان عن دين التسامح، بل يعيد تعريف المجال الديني نفسه كإطار جامع لكل الرسل والأنبياء داخل الدولة… وهو تصور يجد جذوره الرمزية في وثيقة “صحيفة المدينة” القديمة، التي يُعاد إنتاجها اليوم داخل بنية مؤسساتية حديثة.

في هذا السياق العام، يمكن، مثلا، استحضار تصريح وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أحمد التوفيق، الذيفجّر به نقاشا مشتعلا، في معرض حديثه عن تدبير الشأن الديني في علاقته بالمجال العام الأوروبي، حين قال عبارته الشهيرة إن “المغاربة علمانيون”… ورغمالجدل، الذي أثارته العبارة، فإن دلالتها لا تشير إلى قطيعة مع الدين، بقدر ما تحيل إلى تمييز وظيفي بين المجال الروحي والمجال السياسي، بما يسمح بتدبير ديني مرن، غير صدامي، في الداخل كما في الخارج. فالأمر لا يتعلق بعلمانية “صدامية”، وإنما بعلمانية “تدبيرية” إن صح التعبير…

غير أن ما تكشفه خطبة الجمعة الماضية، هو أن الحديث عن “وحدة الأمة” في المدينة، وعن اندماج المهاجرين والأنصار، وعن التعايش مع اليهود، يتم تقديمه باعتباره لحظة مثالية، يتم إسقاطها على واقع معاصر تُدار فيه التعددية عبر مؤسسة دينية رسمية، وخطاب موحد، وتأطير دقيق لكل ما يمكن أن يخرج عن النسق. وبذلك، يأتي استناد الخطبة إلى وثيقة “صحيفة المدينة”، على أساس أنها وثيقة مواطنة لإعادة إدماج روحها وقيمها ومبادئها في سياق راهن تتقاطع فيه السياسة بالدين، والهويات بالانقسامات الدولية، والتدين بالتدبير المؤسساتي. تلك الوثيقة التأسيسية في التجربة النبوية، تنصّ على أن “المؤمنين أمة واحدة من دون الناس” مع ضمان حقوق الغير من الشرائع كجزء من الكيان السياسي المدني الناشئ… واليوم، يتم استدعاء الوثيقة وتقديمها في سياق إقليمي ودولي يتسم بتصاعد التوترات الدينية والهوياتية، بدءا من عودة الشعبويات في الغرب، إلى توظيف الدين في الصراعات الجيوسياسية، وصولا إلى تفكك نماذج العيش المشترك في عدة مناطق من العالم…

في هذا السياق الإقليمي والدولي، تأتي خطبة الجمعة الأخيرة لتعلن أن المغرب اختار طريقا ثالثا: لا يترك الدين للصراع، وإنما يُدخله في منظومة الدولة… وهكذا، من “صحيفة المدينة” إلى “إمارة المؤمنين”، ومن الهجرة كتحول تاريخي، إلى الدولة كإطار جامع، يتضح أن ما تريد خطبة الجمعة بناءه أبعد من وعي ديني، وأقرب إلى تقديم تصور متكامل لما يجب أن يكون عليه الدين داخل الدولة، وكيف يجب أن يبقى داخلها مع التصدي لما هو خارجها…

في الأخير، أعتقد أن خطبة الجمعة الأخيرة تندرج ضمن ورش أوسع لإعادة بناء الحقل الديني في المغرب، في أفق يتجاوز الحاضر نحو ما يمكن تسميته بمغرب الغد، حيث التحضيرات جارية لبناء “دولة ولي العهد”، ليكون فيها الدين عنصر انسجام لا عنصر توتر، وأداة بناء لا أداة تفكيك، حيث لا ينفصل الدين عن إرادة ترسيخ تصور حديث للدولة، تصور يريد إنتاج مواطن منسجم مع هذا الأفق، ومؤمن بأن التدين لا يتعارض مع النظام، وإنما يتكامل معه…

خطبة الجمعة الأخيرة، إذن، بيان سياسي صريح يهدف، بمختلف المحاور التي تعرض لها الخطيب، إلى إعادة ضبط النقاش العمومي حين يتقاطع بالدين، خاصة في القضايا الدولية الحساسة، حيث يصبح من الضروري التمييز بين المواقف السياسية المشروعة وبين الانزلاق نحو توظيف ديني يغذي منطق القطيعة والعداء للآخر. وهنا بالذات تستعيد الخطبة، من خلال “صحيفة المدينة”، روح التعايش، التي أسست لها التجربة النبوية، مع اليهود وبالتبعية مع باقي الشرائع والملل… كما تعيد الخطبة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع، بصيغة تراهن على توازن صعب: انفتاح بلا انفلات، وتعدد بلا صراع، ودين يظل حاضرا في قلب الدولة، دون أن يُترك خارجها أو يُستعمل ضدها… وبتعبير ختامي، نكون أمام إسلام مغربي يقدم نفسه للمصلين وللمسلمين ولكل العالم على أساس هذه المعادلة: دين بلا إقصاء، ودولة بلا قطيعة، وإمارة مؤمنين تتسع لكل المؤمنين…

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

فوضى “الساعات الإضافية” ترهق الأسر بسيدي بنور ومطالب بتدخل السلطات

16 أبريل 2026 - 8:50 م

تواجه مدينة سيدي بنور تناميا مقلقا لظاهرة الساعات الإضافية، التي تحولت من وسيلة للدعم التربوي إلى عبء مالي يستنزف ميزانيات الأسر المحلية، لاسيما في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الراهنة التي تضاعف من معاناة الآباء مع مصاريف الدراسة.

الاتحاد الأوروبي يؤكد دعمه لمخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية

16 أبريل 2026 - 8:09 م

أكدت الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، نائبة رئيس المفوضية الأوروبية، كايا كالاس، اليوم الخميس بالرباط، الموقف الأوروبي الجديد بشأن الصحراء المغربية، معتبرة أن “حكما ذاتيا حقيقيا يمكن أن يمثل الحل الأكثر قابلية للتطبيق” من أجل التسوية النهائية لهذا النزاع الإقليمي.

تحطم مسيرة أمريكية نادرة وباهظة الثمن فوق مضيق هرمز

16 أبريل 2026 - 7:39 م

أفادت تقارير إعلامية أمريكية، استنادا إلى بيانات قيادة السلامة البحرية، بتحطم طائرة مسيّرة من طراز “MQ-4C Triton” تابعة للبحرية الأمريكية، وذلك بعد فقدان الاتصال بها الأسبوع الماضي أثناء تحليقها في منطقة استراتيجية قرب مضيق هرمز.

وزارة الصحة تحين نظام تعويضات الحراسة بإجراءات جديدة تنهي مقتضيات 2007

16 أبريل 2026 - 6:43 م

أصدرت وزارة الصحة قرارا جديدا يقضي بمراجعة وتحديث الإطار القانوني المؤطر لتعويضات الحراسة والخدمة الإلزامية، واضعا بذلك حداً للعمل بمقتضيات تعود إلى سنة 2007.

ترامب يعلن هدنة لـ10 أيام في لبنان واتفاقا مرتقبا بالبيت الأبيض

16 أبريل 2026 - 5:33 م

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مساء الخميس، عن توصل الأطراف إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لمدة 10 أيام، يبدأ سريانه عند منتصف ليل اليوم بتوقيت بيروت وتل أبيب، في خطوة تهدف لتمهيد الطريق نحو سلام دائم.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°