عرفت أسعار النفط في السوق الدولية تراجعًا ملحوظًا عقب إعلان هدنة في الشرق الأوسط، في مؤشر سريع على حساسية أسواق الطاقة للتطورات الجيوسياسية، وعلى مدى ارتباط كلفة الطاقة عالميًا بعوامل الاستقرار أو التوتر في المناطق المنتجة.
وغير أن هذا الانخفاض يطرح تساؤلات داخل السوق الوطنية حول مدى سرعة انعكاسه على أسعار المحروقات، في ظل تجارب سابقة أبانت عن تفاوت واضح بين وتيرة ارتفاع الأسعار وتراجعها، ما يعيد النقاش حول فعالية آليات التسعير ومدى حماية المستهلك من تقلبات السوق الدولية.
❖ آلية التسعير
يرى إدريس العيساوي، الخبير والمحلل الاقتصادي؛ المتخصص في مجال الطاقة، أن نظام تسعير المحروقات في المغرب ليس وليد اللحظة، بل يمتد إلى بداية الثمانينات، حين تم اعتماد ما يعرف بالمقايسة الجزئية للمواد البترولية السائلة.
وأبرز العيساوي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا النظام الذي يعتمد استمرار التسعيرة كل 15 يومًا، أي تغيير السعر في يومي 1 و16 من كل شهر؛ شكل آنذاك آلية لضبط الأسعار وفق تقلبات السوق الدولية، مع اعتماد نوع من التأمين على استيراد هذه المواد، يسمح بالتكيف مع مستويات الأسعار العالمية؛ خصوصا عندما تنخفض إلى عتبات معينة مثل أقل من 100 دولار للبرميل.
وأضاف أن هذه العملية كانت تعتمد على احتساب التكاليف المرتبطة بجلب المواد البترولية السائلة بشكل دوري، خاصة في بداية كل شهر، انطلاقا من المصاريف التي تتحملها الدولة أو الفاعلون في عمليات الاستيراد والتكرير، والتي كانت تتم أساسًا في منشآت مثل مصفاة المحمدية ومحطة سيدي قاسم سابقًا، قبل أن تتغير البنية الطاقية واللوجستية لاحقًا.
ورغم التحولات التي شهدها القطاع، يؤكد العيساوي أن جوهر الآلية لم يتغير، حيث لا تزال فكرة التأثر المباشر للأسعار الوطنية بالتقلبات الدولية قائمة، من خلال ما كان يعرف بـ”سعر المضخة”، الذي يتغير صعودًا أو هبوطًا تِبعًا لهذه المعادلة، وهي آلية ما زالت مستمرة إلى اليوم بشكل أو بآخر.
❖ تأثير الأزمات
يبرز العيساوي أن استمرار العمل بنظام التأمين ضد تقلبات أسعار المواد البترولية لا يمكن أن يدوم بشكل مطلق، إذ تصل الدول إلى مرحلة تضطر فيها إلى إعادة النظر في هذا النموذج، خاصة في ظل الأزمات الجيوسياسية الكبرى.
واعتبر الخبير والمحلل الاقتصادي، أن ما حدث خلال التوترات الأخيرة المرتبطة بالحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل يعكس هذا الواقع بوضوح.
وأشار إلى أن إعلان وقف إطلاق النار أو التهدئة كان له تأثير مباشر وإيجابي على أسعار النفط في السوق الدولية، حيث ساهم في خفض سعر البرميل بشكل سريع، وهو ما يؤكد أن الأسواق تتفاعل بشكل فوري مع مؤشرات الاستقرار، عكس فترات التصعيد التي تدفع الأسعار نحو الارتفاع.
وأوضح أن هذه التأثيرات لا تنعكس دائما بنفس السرعة على الأسواق المحلية، وهو ما يطرح إشكالية التفاوت بين الزمن الاقتصادي الدولي والزمن الوطني؛ خاصة في الدول المستوردة للطاقة التي تبقى أكثر عرضة لتقلبات السوق العالمية.
❖ انعكاس وطني
بخصوص إمكانية تسجيل انخفاض في أسعار المحروقات بالمغرب، يؤكد العيساوي أن التغيير وارد، مشددًا على أن آلية ربط الأسعار بالمؤشرات الدولية (Indexation) تفرض منطقيًا أن تتأثر الأسعار المحلية صعودًا أو نزولاً تبعا للتقلبات الخارجية.
واستند في ذلك إلى خبرته في الاشتغال على هذه الآلية، معتبرًا أنها ما تزال قائمة وتؤطر عملية تحديد الأسعار، رغم التحولات التي عرفها القطاع.
وأقر الخبير والمحلل الاقتصادي في الوقت ذاته، بأن الاقتصاد المغربي لا يزال يعاني من آثار هذه التقلبات، ما ينعكس على القدرة الشرائية للمستهلكين.
ولفت إلى أن ارتفاع الأسعار يتم بشكل سريع ومهول في العديد من الدول المستهلكة، بما فيها دول أوروبية، وهو ما يبرز هشاشة الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، مقارنة بالدول المنتجة التي تتوفر على احتياطات تمكنها من امتصاص الصدمات.
❖ اختلالات السوق
يشير العيساوي إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بآلية التسعير، بل أيضا بطبيعة السوق العالمية وتقسيمها بين دول منتجة وأخرى مستهلكة، فالدول التي تتوفر على احتياطات كبيرة، مثل الجزائر أو إيران أو العراق، تملك هامش تحكم أكبر في الأسعار، بخلاف الدول التي تعتمد بشكل كلي على الاستيراد.
وأوضح أن هذه الدول المنتجة نفسها قد تتأثر بعوامل لوجستية وجيوسياسية، مثل إغلاق الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة مهمة من الإمدادات العالمية.
ونبه الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أنه في حال تعطل هذا الممر، ترتفع تكاليف النقل والتأمين، ما يؤدي إلى زيادة الأسعار حتى لو كانت الموارد متوفرة.
وأبرز أن حوالي خُمس الحاجيات العالمية من النفط تمر عبر هذا المضيق، ما يجعل أي اضطراب فيه عاملاً حاسمًا في تحديد الأسعار، وهو ما يفسر الزيادات الكبيرة التي شهدتها السوق خلال فترات التوتر، ويعكس هشاشة سلاسل الإمداد العالمية.
❖ بدائل مستقبلية
فيما يتعلق بإمكانية مراجعة نموذج تسعير المحروقات، يرى العيساوي أن الإشكال يتجاوز مجرد آليات المراقبة أو تعزيز الشفافية رغم أهميتهما، إذ لا يمكن تحقيق استقرار دائم للأسعار في ظل الارتباط القوي بالسوق الدولية.
وأكد أن الحلول الحقيقية تكمن في خيارات استراتيجية طويلة ومتوسطة المدى، مثل الاستثمار في الطاقات البديلة، بما في ذلك الهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية، التي يمكن أن تشكل بديلاً تدريجيًا عن الاعتماد على المحروقات التقليدية.
وشدد على أن هذه البدائل لا تقدم حلولا فورية، إذ تحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة قبل أن تصبح قادرة على تعويض الاستخدام المباشر للمواد البترولية؛ سواءً في النقل أو الصناعة أو إنتاج الكهرباء، ما يجعل الانتقال الطاقي مسارًا معقدًا يتطلب رؤية بعيدة المدى.


تعليقات الزوار ( 0 )