يشير تقرير (مؤشر الإرهاب العالمي 2026) إلى أن العالم شهد خلال سنة 2025 تراجعا ملحوظا في مستويات الإرهاب مقارنة بالسنوات السابقة، حيث انخفض عدد القتلى الناتجين عن العمليات الإرهابية بنسبة 28% ليصل إلى 5582 قتيلا، كما تراجع عدد الهجمات بنسبة 22% ليبلغ 2944 هجوما.
وقد تحسن الوضع الأمني في 81 دولة، مقابل تدهور في 19 دولة فقط، وهو أدنى عدد من الدول المتدهورة منذ إطلاق المؤشر. ومع ذلك، يحذر التقرير من اعتبار هذا التحسن تحولا نهائيا، إذ إن التوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية المستجدة قد تؤدي إلى عودة تصاعد النشاط الإرهابي خلال السنوات المقبلة.
ويبرز التقرير استمرار هيمنة عدد محدود من التنظيمات المسلحة على المشهد الإرهابي العالمي، وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وحركة طالبان باكستان، وحركة الشباب الصومالية، وهي تنظيمات كانت مسؤولة عن نحو 70% من إجمالي ضحايا الإرهاب في العالم خلال سنة 2025. ورغم التراجع النسبي لنشاط داعش في بعض مناطق الشرق الأوسط، فإن التقرير يؤكد أن التنظيم ما زال الأكثر دموية عالميا، مع انتقال جزء مهم من نشاطه وتأثيره نحو إفريقيا جنوب الصحراء.
ويعد التحول الجغرافي لمركز الإرهاب العالمي من أهم الاستنتاجات التي توصل إليها التقرير، حيث أصبحت منطقة الساحل الإفريقي البؤرة الرئيسية للعنف الجهادي في العالم. فهذه المنطقة تستحوذ وحدها على أكثر من نصف قتلى الإرهاب عالميا، كما أن ست دول من بين أكثر عشر دول تضررا من الإرهاب تقع في إفريقيا جنوب الصحراء. ويعكس ذلك انتقال مركز الثقل الإرهابي من الشرق الأوسط إلى القارة الإفريقية خلال العقد الأخير. وتبرز ضمن الدول الأكثر تضررا كل من بوركينا فاسو ونيجيريا والنيجر ومالي والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث سجلت نيجيريا والكونغو الديمقراطية أكبر ارتفاع في عدد الضحايا خلال سنة 2025.
وفي هذا السياق يولي التقرير اهتماما خاصا لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، والتي أصبحت ثاني أخطر تنظيم إرهابي في العالم بعد أن كانت مسؤولة عن مقتل 1274 شخصا خلال سنة 2025. وتنشط الجماعة أساسا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر وبنين، مع توسع متزايد نحو المناطق الحدودية القريبة من موريتانيا والسنغال وغينيا. ويرى التقرير أن هذه الجماعة لا تسعى فقط إلى تنفيذ هجمات مسلحة، بل تعمل أيضا على بناء نفوذ اقتصادي وإداري وعسكري في أجزاء واسعة من منطقة الساحل، مستفيدة من هشاشة الدولة وضعف السيطرة على المناطق النائية.
كما يؤكد التقرير أن الإرهاب المعاصر أصبح يرتبط بشكل متزايد بالمناطق الحدودية، إذ إن 41% من الهجمات الإرهابية تقع على بعد أقل من خمسين كيلومترا من الحدود الدولية، بينما تقع 64% منها على بعد أقل من مائة كيلومتر. وتوفر هذه المناطق بيئة مناسبة لتحرك الجماعات المسلحة بسبب ضعف الرقابة الأمنية وسهولة التنقل بين الدول. ولذلك أصبحت المنطقة الحدودية المشتركة بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو واحدة من أخطر البؤر الإرهابية في العالم وأكثرها استقطابا للجماعات المتشددة.
ومن الجوانب المهمة التي تناولها التقرير قضية تجنيد الشباب والتطرف العنيف، حيث أشار إلى أن الشباب والقاصرين شكلوا 42% من تحقيقات الإرهاب في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال سنة 2025، وهو ما يعكس الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في تسريع عمليات التطرف والاستقطاب خلال فترات زمنية قصيرة. أما في إفريقيا جنوب الصحراء فقد صرح 71% من المنضمين إلى الجماعات المتطرفة بأن الانتهاكات المنسوبة إلى قوات الأمن كانت من الأسباب الرئيسية التي دفعتهم إلى الالتحاق بهذه التنظيمات، في حين اعتبر نحو ربعهم أن البطالة وغياب الفرص الاقتصادية شكلا الدافع الأساسي وراء ذلك.
وفيما يتعلق بالمغرب، يصنفه التقرير ضمن الدول التي سجلت درجة صفر في مؤشر الإرهاب لسنة 2026، إذ لم يسجل أي تأثير إرهابي وفق المعايير المعتمدة في المؤشر، ما يجعله من بين الدول الأقل تأثرا بالإرهاب على المستوى العالمي. ويعكس هذا التصنيف نجاح المقاربة الأمنية والاستباقية التي اعتمدتها المملكة خلال السنوات الماضية في مواجهة التهديدات المتطرفة. غير أن التقرير يشير في الوقت نفسه إلى أن استقرار المغرب لا يعفيه من متابعة التحولات الإقليمية المحيطة به، خاصة في ظل تنامي نشاط الجماعات الجهادية في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، وتمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نحو مناطق أقرب إلى موريتانيا والسنغال، إضافة إلى توسع نفوذ تنظيم داعش في إفريقيا جنوب الصحراء. ومن ثم فإن التهديد بالنسبة للمغرب لا ينبع من وضعه الداخلي بقدر ما يرتبط بالتطورات الأمنية المتسارعة في محيطه الإقليمي، وهو ما يجعل من اليقظة الأمنية والتعاون الإقليمي والدولي ضرورة مستمرة للحفاظ على الاستقرار ومواجهة المخاطر المستقبلية المحتملة.
وعموما يخلص تقرير (مؤشر الإرهاب العالمي 2026) إلى أن الإرهاب لم يتراجع بقدر ما غير جغرافيته ومراكز ثقله، فبعد أن كان الشرق الأوسط يمثل المسرح الرئيسي للنشاط الجهادي العالمي، أصبحت إفريقيا، وخاصة منطقة الساحل، تمثل اليوم المركز الأبرز للعنف الإرهابي. وبينما حافظ المغرب على موقعه ضمن الدول الأكثر استقرارا وأمنا، فإن التحولات الجارية في الساحل وغرب إفريقيا تفرض متابعة دقيقة للمشهد الإقليمي واستمرار الجهود الرامية إلى الوقاية من التهديدات العابرة للحدود ومواجهة أسباب التطرف والعنف قبل تحولها إلى مخاطر أمنية مباشرة.



تعليقات الزوار ( 0 )