تحولت تونس، التي شكلت الاستثناء الوحيد في مسار ما سمي بـ“الربيع العربي”، إلى ساحة أزمة سياسية واقتصادية وإنسانية مركبة، في ظل تركيز غير مسبوق للسلطات بيد الرئيس قيس سعيد، وتراجع واضح في مؤشرات الحريات والاستقرار الاجتماعي.
وبحسب تقرير نشره مجلة “موند أفريك” الفرنسية، فإن البلاد انتقلت خلال سنوات قليلة من تجربة ديمقراطية ناشئة إلى وضع سياسي مأزوم، تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع القيود المفروضة على الحياة العامة، وسط تصاعد القلق الداخلي وتراجع الثقة في مؤسسات الدولة.
حادثة انهيار جدار داخل ثانوية بمدينة المزونة في أبريل 2025، والتي أودت بحياة ثلاثة تلاميذ، تحولت إلى رمز لعجز مؤسساتي متراكم.
وكانت التحذيرات بشأن خطورة البنية التحتية موثقة منذ سنوات دون تدخل فعلي، ما أثار موجة احتجاجات استمرت أياما قبل زيارة رئاسية أعقبتها وعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ.
وفي مدينة قابس، تتواصل تداعيات التلوث الصناعي الناتج عن أنشطة المجمع الكيميائي التونسي، حيث سجلت حالات اختناق جماعي ودخول مئات المواطنين إلى المستشفيات خلال فترة قصيرة، كما تفاقمت الأزمة البيئية مع خطط رفع إنتاج الفوسفات، ما زاد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
ومنذ قرارات 25 يوليوز 2021، دخلت تونس مرحلة سياسية جديدة اتسمت بحل البرلمان، وتعليق العمل بالدستور، ثم إصدار دستور جديد سنة 2022 عزز صلاحيات الرئاسة.
ورافقت هذه التحولات إجراءات شملت حل المجلس الأعلى للقضاء وإعفاء عشرات القضاة، إلى جانب متابعة معارضين وصحافيين بموجب قوانين مشددة.
شخصيات سياسية بارزة، من بينها راشد الغنوشي، تقبع في السجن، إلى جانب قيادات من تيارات مختلفة، في سياق توسع دائرة المتابعات القضائية التي لم تعد تقتصر على لون سياسي معين.
وأثارت تصريحات رسمية حول الهجرة غير النظامية موجة انتقادات واسعة داخل القارة الإفريقية، خاصة بعد تسجيل اعتداءات على مهاجرين من دول جنوب الصحراء، حيث وثقت منظمات دولية عمليات ترحيل قسري نحو مناطق حدودية قاسية، وسط إدانات من هيئات قارية ودولية.
ورغم الانتقادات الحقوقية، وقع الاتحاد الأوروبي اتفاق دعم مالي مع تونس في 2023 بهدف الحد من تدفقات الهجرة، وهذا الدعم المالي، الذي بلغ مئات ملايين اليوروهات، أثار جدلا واسعا بشأن التوازن بين المصالح الأمنية والالتزامات الحقوقية.
وتعد الأزمة الاقتصادية من أبرز ملامح الوضع الحالي، حيث بلغت نسبة الدين العمومي مستويات مرتفعة، بينما تستحوذ خدمة الدين على جزء كبير من الميزانية، كما خفضت مؤسسات التصنيف الائتماني تقييم البلاد إلى مستويات قريبة من التعثر.
وبحسب التقرير، فإن المفاوضات مع صندوق النقد الدولي توقفت بعد رفض شروط الإصلاح، ما أدى إلى انسحاب شركاء ماليين دوليين، في المقابل، لجأت الدولة إلى التمويل الداخلي، ما ساهم في ارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية.
ولفت المصدر ذاته، إلى أن نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب، تجاوزت مستويات مقلقة، مع فقدان عشرات الآلاف من الوظائف خلال السنوات الأخيرة.
وتراجع ترتيب تونس في مؤشر حرية الصحافة بشكل لافت، حيث انتقلت من مراتب متقدمة نسبيا إلى مواقع متأخرة خلال فترة وجيزة، حيث طالت ملاحقات قضائية صحافيين ونشطاء، مع صدور أحكام سجنية في قضايا مرتبطة بالتعبير عن الرأي.
وتزايدت وتيرة هجرة الكفاءات، خاصة في القطاع الصحي، حيث غادر آلاف الأطباء البلاد، كما ارتفعت أعداد المهاجرين غير النظاميين نحو أوروبا، لتتصدر تونس نقاط الانطلاق عبر المتوسط.
وسجلت الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي فاز فيها قيس سعيّد بنسبة تفوق 90%، نسبة مشاركة ضعيفة، في ظل استبعاد عدد من المرشحين واعتقال آخرين، منظمات دولية وصفت العملية الانتخابية بأنها تفتقر لشروط التنافسية.
ويتسم المشهد التونسي الحالي بتراكم الأزمات وتداخلها، حيث تتقاطع التحديات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، في ظل غياب مؤشرات واضحة على انفراج قريب.
ويرى التقرير، أن الدولة التي كانت تقدم كنموذج للتحول الديمقراطي في المنطقة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب يتعلق بقدرتها على إعادة بناء التوازن بين السلطة والحريات، واستعادة الثقة داخلياً وخارجياً.



تعليقات الزوار ( 0 )