يدخل الاقتصاد المغربي مرحلة دقيقة تتسم بارتفاع منسوب المخاطر وعدم اليقين، وذلك في ظل التصعيد العسكري المتسارع في الشرق الأوسط، خاصة مع اشتداد التوتر بين دونالد ترامب وإيران.
وتجد المملكة، رغم استقرارها السياسي وتنوع شركائها، نفسها أمام تحديات خارجية عميقة قد تعيد رسم ملامح توازناتها الاقتصادية في المدى القريب والمتوسط.
وتكمن أبرز مظاهر هذا التأثير في الارتباط الوثيق للمغرب بالأسواق الدولية، لا سيما في مجال الطاقة، حيث يستورد نحو 88 في المائة من حاجياته.

وهذا الاعتماد الكبير يجعل أي اضطراب في منطقة استراتيجية مثل مضيق هرمز عاملا حاسما في تحديد كلفة الطاقة، وبالتالي في مستوى التضخم وأسعار المعيشة.
ومع تزايد احتمالات إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه، ترتفع المخاوف من موجة غلاء جديدة قد تثقل كاهل الأسر المغربية.
وفي مواجهة هذه التحديات، تبنّت الحكومة المغربية مقاربة استباقية تروم الحد من انعكاسات الأزمة على الداخل. فقد جرى تفعيل حزمة من الإجراءات الاستثنائية، شملت دعم مهنيي النقل، والإبقاء على أسعار غاز البوتان والكهرباء في مستوياتها الحالية، فضلا عن ضمان استمرارية الخدمات الأساسية دون زيادات مباشرة.
وتفرض هذه التدابير، رغم أهميتها الاجتماعية، كلفة مالية مرتفعة قد تصل إلى نحو 20 مليار درهم سنويا، ما يضع المالية العمومية تحت ضغط متزايد، خاصة إذا طال أمد الأزمة.
من جانبها، دقت المؤسسات المالية الدولية ناقوس التحذير بشأن هشاشة بعض التوازنات الاقتصادية. فقد أشار صندوق النقد الدولي إلى بلوغ عجز الميزانية 3.5 في المائة من الناتج الداخلي، مع توقعات بارتفاع التضخم وتباطؤ النمو خلال سنة 2026.
كما نبه البنك الدولي إلى أن سياسات دعم الطاقة، رغم ضرورتها، قد لا تكون دائما موجهة بشكل عادل، إذ تستفيد منها الفئات الأكثر استهلاكا أكثر من الفئات الهشة، ما يطرح إشكالية النجاعة الاجتماعية لهذه التدخلات.
في المقابل، يواصل بنك المغرب مراقبة الوضع عن كثب، محافظا على سعر الفائدة الرئيسي في حدود 2.25 في المائة، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو.

كما يستند إلى هوامش مالية نسبية، مدعومة بتقارير S&P Global Ratings التي تؤكد متانة هيكل الدين العمومي المغربي، المعتمد أساسا على آجال طويلة ونسب منخفضة من الديون بالعملة الأجنبية.
ويظل مستقبل الاقتصاد الوطني رهينا بتطورات المشهد الجيوسياسي الدولي. ففي حال انفراج الأزمة سريعا، قد يتمكن المغرب من احتواء التداعيات والحفاظ على توازناته الكبرى.
أما إذا استمرت المواجهة وتصاعدت، فإن سيناريو ارتفاع أسعار الطاقة بشكل مطول يصبح واردا، وهو ما قد يفضي إلى تباطؤ اقتصادي وربما ضغوط اجتماعية متزايدة.


تعليقات الزوار ( 0 )