في سياق التحولات المتسارعة في سوق التسلح البحري، تبرز مفارقة لافتة بين الطموح الروسي في تسويق غواصات الجيل الجديد، وبين واقع صناعي وتقني يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجاهزية والموثوقية، فبرامج التحديث العسكري لم تعد تقاس فقط بالقدرات النظرية، بل بمدى القدرة على التسليم في الوقت المحدد وبكفاءة عملياتية عالية.
وضمن هذا الإطار، كشف تقرير حديث نشرته منصة “19FortyFive” الأمريكية، المتخصصة في قضايا الأمن القومي والدفاع، عن تراجع اهتمام عدد من الدول، من بينها المغرب والهند، بغواصات “Amur” الروسية، مقابل توجه متزايد نحو بدائل أوروبية أكثر نضجا واستقرارا على مستوى الإنتاج والتشغيل.
-تعثر تقني
يرتبط تراجع جاذبية غواصات “Amur” أساسا بجملة من التعثرات التقنية التي رافقت تطوير هذا البرنامج، والذي كان يُفترض أن يشكل الجيل التصديري المتقدم من غواصات “Kilo” الشهيرة.
ورغم الترويج لها كمنصة بحرية متطورة تتمتع بقدرات تخفٍ عالية وأنظمة تسليح متقدمة، إلا أن هذه الوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ الفعلي.
ويشير التقرير إلى أن المشاكل التقنية لم تكن ظرفية، بل بنيوية، خصوصا تلك المرتبطة بأنظمة إدارة القتال والتوافق مع منظومات السونار، وهي نفس الاختلالات التي ظهرت سابقا في برنامج الغواصات “Lada”، ما أثر بشكل مباشر على مصداقية المشروع برمته.
والأكثر إثارة للقلق، أن هذه الأعطاب لم يتم تجاوزها حتى الآن، مما جعل المشروع يبدو في حالة “جمود صناعي”، وأفقده ثقة عدد من الزبناء المحتملين الذين يبحثون عن حلول جاهزة وقابلة للتشغيل الفوري.
-تأخر مزمن
إلى جانب الإشكالات التقنية، يعاني برنامج “Amur” من تأخر زمني كبير في الإنجاز، حيث لم يتم إلى حدود سنة 2026 بناء أي نموذج فعلي من هذه الغواصات، وهذا المعطى يُعد مؤشرا حاسما بالنسبة للدول التي تخطط لتعزيز قدراتها البحرية ضمن آجال زمنية محددة.
والهند، التي كانت من أبرز المهتمين بالنسخة “Amur-1650” ضمن برنامجها البحري، قررت في نهاية المطاف التخلي عن الخيار الروسي، مفضلة التوجه نحو الغواصات الفرنسية من طراز “Scorpène”، وذلك بسبب مخاوف من تأجيل تسليم المشروع إلى ما بعد سنة 2030.
وهذا التأخر لا يعكس فقط خللا في إدارة المشروع، بل يكشف أيضا عن محدودية القدرة الصناعية الروسية في مواكبة الطلبات الدولية في ظل بيئة تنافسية عالية.
-حذر مغربي
في الحالة المغربية، يبرز التعامل مع العرض الروسي بقدر كبير من الحذر الاستراتيجي، حيث دخلت الرباط في مشاورات مع موسكو بشأن اقتناء غواصات “Amur”، غير أن غياب نموذج مكتمل، إلى جانب الضبابية التقنية، حال دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وجاء هذا التريث في سياق سياسة مغربية تقوم على تنويع الشركاء العسكريين، مع التركيز على الجودة والجاهزية العملياتية، كما أن وجود عروض أوروبية منافسة، خاصة من فرنسا وألمانيا، يعزز من خيارات الرباط ويدفعها إلى تقييم دقيق للكلفة والفعالية.
ويفهم من هذا التوجه أن المغرب يضع أولوية واضحة لاقتناء منظومات مجربة ومضمونة الأداء، بدل المجازفة بالاستثمار في مشاريع لم تثبت بعد نجاعتها على أرض الواقع.
-وعود غير محققة
روجت روسيا لغواصات “Amur” باعتبارها منصة متطورة مزودة بنظام دفع مستقل عن الهواء (AIP)، وقدرات إطلاق عمودي لصواريخ كروز، فضلا عن مستوى تخفٍ صوتي يفوق نظيراتها من فئة “Kilo”، غير أن هذه الخصائص ظلت إلى حد الآن في إطار التصور النظري.
وعدم بناء أي وحدة فعلية من هذه الغواصات يطرح تساؤلات جدية حول مدى قدرة الصناعة العسكرية الروسية على تحويل التصاميم المتقدمة إلى منتجات قابلة للتصدير والاستخدام.
كما أن فقدان المشروع لأي طلبات شراء دولية يعكس فجوة واضحة بين الخطاب التسويقي والواقع الصناعي، وهو ما يضعف تنافسيته في سوق يشهد تطورا متسارعا.
-عقوبات وضغوط
لا يمكن فصل تعثر برنامج “Amur” عن السياق الجيوسياسي الدولي، خاصة تداعيات الحرب في أوكرانيا، التي أدت إلى فرض عقوبات غربية صارمة على موسكو.
وهذه العقوبات أثرت بشكل مباشر على سلاسل التوريد، وقلصت من قدرة روسيا على الحصول على مكونات تكنولوجية أساسية.
وانعكس الضغط الاقتصادي الناتج عن هذه العقوبات على تمويل المشاريع الدفاعية، مما زاد من تعقيد عملية التطوير والإنتاج، وهو ما يفسر جزئيا التباطؤ الكبير الذي يشهده البرنامج.
-تحول دولي
لم يقتصر التراجع عن “Amur” على المغرب والهند فقط، بل شمل أيضا دولا أخرى مثل الصين والأرجنتين، التي أبدت سابقا اهتماما بالمشروع قبل أن تتجه نحو بدائل أكثر تقدما أو تطوير برامج محلية.
وهذا التحول يعكس اتجاها عاما في السوق الدولية نحو تفضيل الأنظمة المجربة، خاصة تلك المزودة بتقنيات “AIP“، والتي أثبتت فعاليتها في عدد من البحريات العالمية.
ويبدو أن برنامج “Amur” يواجه أزمة ثقة حقيقية، ليس فقط بسبب تأخره، بل أيضا نتيجة عجزه عن إثبات جدارته في بيئة تنافسية تتطلب سرعة في الإنجاز وموثوقية في الأداء، وهو ما يدفع دولا مثل المغرب إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية وفق معايير أكثر صرامة.




تعليقات الزوار ( 0 )