يشهد ملف الصحراء المغربية تحولات عميقة تعكس انتقاله من دائرة “الغموض الدبلوماسي” إلى مرحلة “الحسم الاستراتيجي”، وفق قراءة تحليلية يقدمها الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي الشرقاوي الروداني في مجلة “أتالايار” الإسبانية.
ويوضح الشرقاوي، أن هذا التحول لا يقتصر على تغير في المواقف السياسية، بل يعكس إعادة صياغة شاملة في المقاربة الدولية للنزاعات المزمنة، خاصة في ظل تصاعد التنافس بين القوى الكبرى.
ولعدة عقود، ظل نزاع الصحراء يدار دون حل فعلي، من خلال آليات دولية أبرزها بعثة “المينورسو”، التي تحولت تدريجيا من أداة لتسوية النزاع إلى وسيلة لإدامة الوضع القائم.
وهذا النموذج، كما يشير الروداني، كان قائماً على “وهم استراتيجي” يتمثل في الحفاظ على احتمال حل غير قابل للتحقق، فقط لضمان توازن هش.
وبحسبه، فإن هذه المقاربة بدأت تتآكل مع التحولات الجديدة في الاستراتيجية الأمريكية، التي باتت ترى في النزاعات المجمدة عبئاً استراتيجيا أكثر منها أداة توازن.
ويربط التحليل هذا التغير بوثيقتين أساسيتين: استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025، واستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2026.
وهاتان الوثيقتان تعكسان انتقال واشنطن من نهج التدخل الواسع إلى مقاربة انتقائية ترتكز على حماية المصالح الحيوية وتقاسم الأعباء مع الحلفاء.
وفي هذا السياق، لم يعد مقبولا الإبقاء على مناطق “رمادية” غير مستقرة، بل أصبح الهدف هو تثبيت النزاعات ضمن ترتيبات مستقرة وواضحة. وهنا تبرز الصحراء المغربية كنموذج أولي لهذا التحول.
وأضاف، أن الصحراء لم تعد تنظر إليها كقضية حدودية فقط، بل كفضاء استراتيجي يتقاطع فيه الأمن الإقليمي مع رهانات الطاقة والتجارة، مردفا أن موقعها يجعلها حلقة وصل بين شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، التي تعرف هشاشة أمنية متزايدة.
هذا ما يفسر توصيفها كـ”قفل جيوسياسي”، أي منطقة ينعكس استقرارها على توازن إقليمي أوسع. ومن هذا المنطلق، يصبح استمرار الغموض فيها مصدر تهديد، وليس مجرد خيار دبلوماسي.
وفي ظل هذا التحول، يكتسب مقترح الحكم الذاتي الذي يقدمه المغرب بعدا جديدا. لم يعد ينظر إليه كخيار سياسي ضمن خيارات متعددة، بل كآلية عملية لتحقيق الاستقرار، تجمع بين الحفاظ على السيادة وتوفير تدبير محلي فعال.
ويتماشى هذا الطرح مع الرؤية الأمريكية الجديدة التي تفضل الحلول القابلة للتنفيذ، وتقلل من الحاجة إلى تدخل مباشر، عبر تمكين شركاء إقليميين من لعب أدوار قيادية.
في المقابل، يتراجع خيار الاستفتاء تدريجيا، بسبب تعقيداته العملية ومخاطره الأمنية، إضافة إلى عدم انسجامه مع الأولويات الاستراتيجية الحالية.
وضمن منطق “تقاسم الأعباء”، يبرز المغرب كفاعل إقليمي قادر على المساهمة في تحقيق الاستقرار. فبفضل استمراريته المؤسساتية، وقدراته الأمنية، وانفتاحه على إفريقيا، أصبح يُنظر إليه كـ”دولة محورية” وليس مجرد حليف.
ويتعزز هذا الدور أيضا عبر شراكاته مع أوروبا، خاصة في مجالات الأمن والهجرة والتنمية، مما يجعله حلقة وصل بين ضفتي المتوسط وعمقه الإفريقي.
ويشير التحليل كذلك إلى البعد الإيراني في المنطقة، حيث تتقاطع التنافسات الدولية مع هشاشة دول الساحل. وجود شبكات غير نظامية وتأثيرات غير مباشرة يعزز الحاجة إلى ضبط المناطق الحدودية ومنع تحولها إلى فراغات أمنية.
في هذا الإطار، يصبح استقرار الصحراء جزءا من استراتيجية أوسع لاحتواء التهديدات ومنع تمددها نحو مناطق أكثر حساسية.
ويرى الشرقاوي، أن هذا التحول الجاري لا يتوقف عند مستوى الاعترافات السياسية، بل يتجه نحو “تجسيد استراتيجي” على الأرض، من خلال الاستثمارات، وتعزيز البنية التحتية، وربط المنطقة بممرات التجارة والطاقة.
ويعكس هذا المسار انتقال الملف من طاولة المفاوضات المفتوحة إلى واقع ميداني يتشكل تدريجيا، مدفوعا بتوازنات القوة والمصالح.
ويخلص الروداني، إلى أن الصحراء المغربية دخلت مرحلة جديدة عنوانها “ترسيخ السيادة” عبر تفاعل ثلاثة عناصر: الاعتراف الدولي، والاندماج الاقتصادي، والتثبيت الأمني.
وهذه الدينامية تجعل من الصعب العودة إلى منطق الغموض السابق، وتضع الأطراف الأخرى أمام واقع جديد يتطلب التكيف مع التحولات الجارية.




تعليقات الزوار ( 0 )