ظلّ التدخين في المغرب، لسنوات طويلة، سلوكاً يُنظر إليه بوصفه ممارسة ذكورية بامتياز. فقد ارتبط تاريخياً بتعاطي القنب الهندي، أو ما يعرف محلياً بـ«الكيف»، قبل أن تنتشر السجائر الصناعية مع بسط نظام الحماية نفوذه على البلاد. أما تدخين النساء، فكان قبل تلك المرحلة محدوداً ومحاطاً بالكتمان، ليشهد بعد الاستقلال تحولات عميقة جعلته ينتقل تدريجياً من الفضاء الخاص إلى المجال العام، في سياق اجتماعي وثقافي معقد تتداخل فيه رهانات الحداثة والهوية والصحة العامة.
قبل الحماية، لم يكن تدخين النساء ظاهرة غائبة تماماً، لكنه كان محكوماً باعتبارات اجتماعية صارمة. لم تكن السجائر الورقية متداولة بالشكل المعروف اليوم، بل كان الاعتماد على «السبسي» في تدخين الكيف أو على «الطابا» والتبغ الخام. في بعض المناطق القروية، خصوصاً بين النساء المتقدمات في السن، كان استعمال السبسي أو مضغ التبغ أو استنشاقه عبر ما يسمى «النفاخ» ممارسة قائمة، لكنها تظل محدودة ومحصورة في أوساط معينة. وفي المدن العتيقة مثل فاس وتطوان، كان التدخين يظهر أحياناً داخل المجالس النسائية المغلقة في البيوت الكبرى أو القصور، بعيداً عن أنظار الرجال، حيث يُنظر إليه كعادة اجتماعية خاصة لا تحمل طابع التحدي أو التمرد، بل تندرج ضمن طقوس الجلسات النسائية أو بعض المناسبات الروحية.
غير أن تدخين المرأة في الفضاء العمومي كان أمراً مرفوضاً بشكل شبه مطلق. فقد اعتُبر منافياً للحياء ولقيم الوقار المرتبطة بصورة المرأة المغربية آنذاك. وعلى الرغم من وجود فتاوى تحرم التدخين على الجنسين معاً، فإن النظرة الاجتماعية كانت أشد قسوة تجاه المرأة المدخنة، إذ ارتبط التدخين العلني بصورة المرأة «المنفلتة» أو الخارجة عن الأعراف. هكذا ظل تدخين النساء قبل الحماية ممارسة خافتة، إما لدى نساء مسنات في القرى أو في دوائر نسائية مغلقة لدى بعض الأسر الميسورة، دون أن يتحول إلى سلوك اجتماعي واسع الانتشار.
مع دخول فترة الحماية (1912-1956)، تغيرت معالم المشهد بشكل جذري. فقد دخلت السجائر المصنعة إلى الأسواق المغربية مع المعمرين الفرنسيين والإسبان، وأصبحت متاحة في المدن الكبرى. كانت السيجارة العصرية، بخفتها وسهولة حملها واستعمالها، مختلفة عن الوسائل التقليدية، ما ساعد على انتشارها في الأوساط الحضرية. كما أن احتكاك النخب المغربية بالثقافة الأوروبية أفرز تحولات في أنماط العيش، فبدأت بعض النساء في الأوساط المخزنية والطبقات الراقية، خاصة في مدن كالدار البيضاء والرباط وطنجة، في تقليد النموذج الأوروبي في اللباس والسلوك، ومن ضمنه تدخين السيجارة.
في هذا السياق، اكتسبت السيجارة دلالة رمزية جديدة؛ فقد أصبحت لدى فئة محدودة من النساء علامة على الرقي الاجتماعي والانفتاح على الحداثة الغربية. وبدأ تدخين النساء يظهر في فضاءات شبه عامة، مثل المقاهي العصرية في الأحياء الأوروبية أو الصالونات الأدبية والحفلات المختلطة، ما شكل كسراً للقاعدة التقليدية التي كانت تحصر التدخين في فضاءات مغلقة. كما لعبت شركات التبغ، التي نشطت خلال تلك المرحلة، دوراً في توسيع الاستهلاك عبر تسويق منتجاتها بشكل مكثف، حتى وإن لم يكن استهداف النساء المغربيات مباشراً في البداية.
في المقابل، لم يخلُ هذا التحول من توتر ثقافي. فقد رأت بعض مكونات الحركة الوطنية في انتشار العادات الغربية، ومنها التدخين، شكلاً من أشكال الغزو الثقافي الذي يهدد الهوية المغربية والإسلامية. وهكذا برز صراع رمزي داخل النخب بين تيار يدافع عن التحديث وتيار يتمسك بالأصالة، وكانت صورة المرأة وسلوكها، بما في ذلك التدخين، في صلب هذا الجدل.
بعد الاستقلال، دخل المجتمع المغربي مرحلة جديدة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية. خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ارتبط تدخين المرأة بصورة الطالبة الجامعية أو الموظفة أو المثقفة المنخرطة في النقاشات السياسية والفكرية. في تلك المرحلة، حملت السيجارة أحياناً شحنة إيديولوجية، إذ اعتُبرت لدى بعض النساء تعبيراً عن الحضور في الفضاء العام الذي ظل طويلاً حكراً على الرجال، ورمزاً لمقاومة الوصاية التقليدية. وساهمت شركات التبغ في تعزيز هذا الاتجاه عبر تسويق سجائر خفيفة أو رفيعة ذات طابع «أنثوي»، مستهدفة شريحة الشابات في المدن.
ابتداءً من الثمانينيات والتسعينيات، لم يعد التدخين النسائي مقتصراً على النخب. فقد توسعت الظاهرة لتشمل نساء عاملات في المصانع وقطاع الخدمات، خاصة في المدن الصناعية الكبرى. في هذا السياق، أصبح التدخين وسيلة لتخفيف ضغوط العمل والحياة الحضرية، أكثر من كونه تعبيراً عن موقف فكري أو رمزي. ومع مطلع الألفية الجديدة، برزت ظاهرة انتشار الشيشة في المقاهي، واجتذبت فئات واسعة من الشباب، بمن فيهم النساء.
لقد تداخلت عدة عوامل في انتشار الشيشة بين النساء المغربيات. فقد ساهم الانفتاح على الثقافات المشرقية والخليجية، عبر السياحة والإعلام والدراما التلفزيونية، في تطبيع صورة المرأة المدخنة للشيشة باعتبارها جزءاً من نمط حياة عصري. في مدن مثل مراكش والدار البيضاء، انتشرت مقاهي الشيشة التي استهدفت في البداية السياح، قبل أن تتحول إلى فضاءات يرتادها شباب وشابات مغاربة. وهكذا انتقلت الشيشة من سلوك كان يُنظر إليه بكثير من التحفظ إلى ممارسة علنية في بعض الأوساط، وأضحت لدى البعض رمزاً للموضة أو للتحرر الشخصي.
ورغم هذه التحولات، ظل التدخين النسائي في المغرب يعيش نوعاً من التناقض الاجتماعي. ففي المدن الكبرى، أصبح التدخين في المقاهي أو بعض الفضاءات العامة مقبولاً نسبياً، أو على الأقل متسامحاً معه. أما في الأوساط المحافظة، فما زالت المرأة المدخنة تواجه أحكاماً أخلاقية صارمة، إذ يُربط سلوكها أحياناً بصورة نمطية تمس سمعتها أو تربيتها. لذلك تلجأ بعض النساء إلى ما يمكن تسميته «تدخين الخفاء»، سواء داخل البيوت أو في زوايا متوارية من المقاهي.
وتؤكد المعطيات الإحصائية أن الظاهرة، رغم حضورها الإعلامي، ما تزال ذات طابع ذكوري غالب. فبحسب تقرير صادر سنة 2025 عن منظمة الصحة العالمية حول الاتجاهات العالمية لاستخدام التبغ، يبقى معدل انتشار التدخين بين الرجال في المغرب أعلى بكثير من نظيره لدى النساء. إذ تتراوح نسبة المدخنين بين الرجال بين حوالي 18 و24 في المائة، مقابل أقل من 2 في المائة بين النساء. وتعكس هذه الفجوة استمرار تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية في تأطير سلوك النساء، حتى في ظل مظاهر الحداثة.
إلى جانب البعد الاجتماعي، تبرز التداعيات الصحية للتدخين بوصفها عاملاً حاسماً في تقييم الظاهرة. فقد أظهرت دراسات طبية متعددة أن النساء المدخنات أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب مقارنة بالرجال المدخنين بالنسبة نفسها من الاستهلاك. كما بينت أبحاث منشورة في مجلات علمية مرموقة أن الاختلافات البيولوجية تجعل أجسام النساء أكثر تأثراً بالمواد السامة الموجودة في دخان السجائر. وتزداد المخاطر خلال فترات الحمل، إذ يمكن للنيكوتين أن يؤثر سلباً في نمو الجنين، ويرفع احتمالات الإجهاض أو الولادة المبكرة أو انخفاض وزن المولود.
ولا تقتصر الأضرار على القلب والرئتين، بل تمتد إلى الصحة الإنجابية، إذ يرتبط التدخين بزيادة خطر الإصابة بسرطان عنق الرحم، وبمشكلات في الخصوبة، وبمضاعفات سن اليأس وهشاشة العظام. كما أن تدخين الشيشة، الذي يعتقد البعض خطأ أنه أقل ضرراً، يحمل بدوره مخاطر كبيرة بسبب كمية الدخان المستنشقة والمواد السامة المصاحبة له.
إلى جانب المخاطر الصحية، يطرح التدخين إشكالات جمالية ترتبط بالصورة التي تحرص كثير من النساء على الحفاظ عليها. فالتدخين يعجل بظهور التجاعيد، ويساهم في شحوب البشرة واصفرار الأسنان وتلف الأظافر وتقصف الشعر. كما يؤدي إلى تغير نبرة الصوت نتيجة التهابات مزمنة في الحنجرة، ويؤثر في مرونة الجلد بسبب تراجع إنتاج الكولاجين. وهكذا يتناقض الخطاب الإعلاني الذي يربط التدخين بالتحرر والجاذبية مع واقع الأضرار التي تمس صحة المرأة ومظهرها.
انطلاقاً من ذلك، يطرح سؤال الدور الذي يمكن أن تضطلع به الحركات النسائية وجمعيات المجتمع المدني في مواجهة تمدد الظاهرة، خاصة في صفوف المراهقات. فمحاربة التدخين لا تتعارض مع الدفاع عن حقوق المرأة، بل تندرج في صميم الحق في الصحة والحياة الكريمة. إن التصدي للإشهار الموجه بشكل غير مباشر إلى الشابات، والمطالبة بقوانين أكثر صرامة للحد من بيع التبغ للقاصرات، وتعزيز حملات التوعية داخل المدارس والجامعات، كلها خطوات يمكن أن تسهم في الحد من انتشار الظاهرة.
إن النقاش حول تدخين المرأة في المغرب لا ينبغي أن يُختزل في زاوية أخلاقية ضيقة، ولا أن يُقدَّم بوصفه علامة على التحرر المطلق. فهو ظاهرة اجتماعية معقدة، تعكس تحولات المجتمع وتوتراته بين التقليد والحداثة، بين الحرية والمسؤولية. غير أن المعطيات الصحية والعلمية تظل واضحة في التحذير من مخاطره الجسيمة، سواء على المرأة نفسها أو على أسرتها ومحيطها.
وبين وهم التحرر الذي تسوّقه بعض الخطابات الإعلانية، وواقع الأضرار الصحية والاجتماعية، يظل الرهان الحقيقي هو بناء وعي جماعي يوازن بين الحرية الفردية ومتطلبات الصحة العامة. فتمكين المرأة لا يعني تشجيعها على تبني سلوكيات مضرة، بل توفير الشروط التي تصون كرامتها وسلامتها الجسدية والنفسية. ومن ثم فإن مواجهة ظاهرة التدخين النسائي، خاصة في صفوف القاصرات، تستدعي مقاربة شمولية تشترك فيها الدولة والمجتمع المدني والمؤسسات التربوية والإعلام، من أجل حماية أجيال الحاضر والمستقبل من آثار عادة ثبت علمياً أنها تهدد الصحة والجمال والاستقرار الأسري على حد سواء.






تعليقات الزوار ( 0 )