تحوّل مصنع “ستيلانتيس” بمدينة القنيطرة، خلال أقل من عقد، إلى أحد أبرز أعمدة الصناعة التحويلية في المغرب، ومحرك رئيسي لتموقع المملكة كأكبر منتج للسيارات في القارة الإفريقية، في نموذج يجمع بين الاستثمار الصناعي، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص الشغل، والانخراط التدريجي في التحول نحو التنقل الكهربائي.
وقبل نحو عشر سنوات، لم تكن منطقة الأطلسي الحرة بالقنيطرة سوى مساحات رملية شاسعة. اليوم، تضم هذه المنطقة الصناعية أكثر من ثلاثين وحدة إنتاجية تمتد على 600 هكتار، وتشغل ما يزيد عن 20 ألف عامل.
ويعود الفضل في هذا التحول، بدرجة كبيرة، إلى مشروع مصنع ستيلانتيس، الذي انطلق عقب توقيع العقد سنة 2015، بدعم مباشر من الملك محمد السادس، لتخرج أولى السيارات من خطوط الإنتاج سنة 2019.
وأُنجز المصنع باستثمار ناهز 600 مليون يورو، وكان مصمما في البداية بطاقة إنتاجية لا تتجاوز 100 ألف سيارة سنويا. غير أن وتيرة التوسع فاقت التوقعات، إذ بلغ الإنتاج 200 ألف وحدة بحلول سنة 2020، أي قبل ثلاث سنوات من الجدول الزمني الأصلي. وارتفع عدد العاملين من نحو 3 آلاف في البداية إلى ما يقارب 6 آلاف مستخدم حاليا.
وبفضل اشتغال مصانع ستيلانتيس ورونو في طنجة والدار البيضاء بكامل طاقتها، تمكن المغرب من إزاحة جنوب إفريقيا عن صدارة إنتاج السيارات في القارة، بإنتاج سنوي يناهز 700 ألف سيارة، مع طموح لبلوغ مليون وحدة مع نهاية العقد الجاري. ويشغل قطاع السيارات اليوم نحو 180 ألف شخص، ويساهم بحوالي 16 في المائة من الناتج الداخلي الخام.
ولم يعد مصنع القنيطرة مقتصرا على إنتاج سيارة “بيجو 208”، إذ تم، منذ 2019، إطلاق خط إنتاج ثان مخصص للسيارات الكهربائية الصغيرة (Microcars)، مثل “سيتروين آمي” و“فيات توبولينو” و“أوبل روكس-إي”. وقد ارتفع إنتاج هذه الفئة من 20 ألف وحدة سنويا إلى نحو 70 ألفا، مع وتيرة تصنيع تتجاوز 12 سيارة في الساعة.
وتتميز هذه المركبات بكلفة إنتاج منخفضة، وتصميم مبسط، وزمن تجميع قياسي لا يتجاوز 129 دقيقة، مقابل 13 ساعة لسيارة تقليدية، ما يجعلها من أرخص حلول التنقل الكهربائي في السوق الأوروبية.
كما شرع المصنع حديثا في إنتاج نموذج “فيات تريس”، وهو مركبة كهربائية ثلاثية العجلات موجهة للاستعمالات المهنية الخفيفة، يرتقب أن تجد طريقها إلى الأسواق الأوروبية خلال الفترة المقبلة.
وفي صيف 2024، أعلنت “ستيلانتيس” عن استثمار إضافي بقيمة 300 مليون يورو بالقنيطرة، سيمكن من إحداث 2000 منصب شغل جديد، ورفع الطاقة الإنتاجية إلى 535 ألف سيارة سنويا.
كما يشمل المشروع توسيع إنتاج المحركات ليصل إلى 350 ألف وحدة، من بينها محركات هجينة خفيفة، في خطوة تروم رفع نسبة الإدماج المحلي من الثلثين إلى ثلاثة أرباع المكونات.
ويعتمد المصنع أساسا على كفاءات مغربية، مع نسبة نساء تناهز 14 في المائة، وهي نسبة لافتة على المستوى الإفريقي. كما اختيرت مستويات أتمتة معتدلة، تماشيا مع توجهات تشغيلية واجتماعية، مع الاستعانة بعدة مئات من أنظمة النقل الذاتية (AGVs)، في أفق رفع عددها مستقبلا.
ورغم أن البنية التحتية لشحن السيارات الكهربائية داخل المغرب لا تزال محدودة، يعمل المصنع على تقليص بصمته الكربونية، عبر ترشيد استهلاك الطاقة (425 كيلواط/ساعة لكل سيارة)، وتدوير المياه، والاستعداد للربط بالكهرباء الخضراء التي تشهد توسعا متسارعا بالمملكة.
كما أضيفت وحدة صناعية لإنتاج نحو 200 ألف محطة شحن سنويا لفائدة شركة Free2Move التابعة لستيلانتيس، ما يعزز دور القنيطرة كحلقة أساسية في منظومة التنقل المستدام للمجموعة.



تعليقات الزوار ( 0 )