أصدر المركز الإفريقي للدراسات الإستراتيجية والرقمنة دراسة تحليلية جديدة حول موضوع السيادة الزمنية بالمغرب، خصصها لتقييم حصيلة اعتماد التوقيت القانوني الدائم GMT+1.
وتندرج هذه المبادرة في سياق نقاش عمومي متجدد حول الساعة الإضافية، بعد سنوات من تثبيتها كخيار رسمي، وما رافق ذلك من تباين في المواقف بين المدافعين عن مكاسبها الاقتصادية والمنتقدين لانعكاساتها الاجتماعية والصحية.
وتقدم الدراسة نفسها كمساهمة علمية تهدف إلى إغناء النقاش العمومي، عبر مقاربة قائمة على تحليل الكلفة والمنفعة، بعيداً عن السجالات الانطباعية، كما تؤكد أن مسألة التوقيت لم تعد مجرد تدبير تقني، بل أصبحت قراراً سيادياً يمس نمط العيش اليومي للمواطنين، ويؤثر في التوازن بين الاندماج الاقتصادي الخارجي والرفاه الداخلي.
-مقاربة تحليلية
اعتمدت الورقة منهجية متعددة الأبعاد، قارنت من خلالها بين الوضع القائم في ظل GMT+1 الدائم، وسيناريو العودة إلى توقيت غرينتش القياسي.
واستند التحليل إلى مؤشرات الصحة العامة، والسلامة الطرقية، والتداخل الزمني مع الشركاء الاقتصاديين، إضافة إلى معطيات تتعلق بالتنافسية في قطاعات الخدمات العابرة للحدود.
وترى الدراسة أن أي تقييم جدي للسياسة الزمنية ينبغي أن يستند إلى بيانات وطنية دقيقة، تشمل استهلاك الطاقة، وحوادث السير، ومؤشرات النوم والإنتاجية، مع ضرورة تمكين الباحثين من الولوج إلى المعطيات التفصيلية لضمان نقاش مبني على الأدلة.
-أثر صحي
في الشق الصحي، تشير الدراسة إلى أن تموقع المغرب في الجانب الغربي من المنطقة الزمنية GMT+1 يترتب عنه، وفق أبحاث دولية، فقدان متوسط يناهز 19 دقيقة من النوم يومياً، وتربط الأدبيات العلمية بين هذا النقص المزمن في النوم وارتفاع مخاطر الإصابة بأمراض القلب والسمنة والسكري.
وتبرز الورقة أن فئة التلاميذ والمراهقين تتأثر بشكل أكبر، خصوصاً خلال فترات الصباح المظلم في فصل الشتاء، حيث يتزامن الخروج إلى المدارس مع غياب ضوء النهار، ما ينعكس على التركيز والتحصيل الدراسي والإحساس العام بالإرهاق. وتعتبر الدراسة أن هذه المعطيات تستوجب إدماج البعد الصحي ضمن أي تقييم شامل للساعة القانونية.
-سلامة طرقية
تتوقف الدراسة عند العلاقة المحتملة بين الصباح المظلم وارتفاع مخاطر حوادث السير، خاصة في الساعات الأولى من اليوم، وتستحضر أبحاثاً دولية تربط بين اضطراب الساعة البيولوجية وزيادة نسب الحوادث، مع التأكيد على أن إثبات علاقة سببية مباشرة في الحالة المغربية يتطلب دراسات ميدانية معمقة.
وتشير إلى أن فئات معينة، من قبيل التلاميذ والعمال الذين يتنقلون في ساعات مبكرة، قد يكونون أكثر عرضة للمخاطر في ظل تأخر شروق الشمس خلال فصل الشتاء، وهو ما يطرح إشكالية السلامة الطرقية ضمن النقاش حول العدالة المجالية.
-مكاسب اقتصادية
على المستوى الاقتصادي، تسجل الدراسة أن اعتماد GMT+1 يمنح المغرب ساعة إضافية من التداخل الزمني مع أوروبا القارية خلال فصل الشتاء، ما يسهل المعاملات التجارية والتنسيق مع الشركاء الأوروبيين، ويعتبر هذا المعطى عاملاً داعماً لقطاعات مثل ترحيل الخدمات والصناعات الموجهة للتصدير.
وغير أن الدراسة تشير في المقابل إلى فقدان ساعة تداخل مع المملكة المتحدة والساحل الشرقي للولايات المتحدة، ما قد يؤثر على بعض الأنشطة المرتبطة بالأسواق الأنغلوسكسونية، وترى أن تقييم الأثر الاقتصادي يجب أن يأخذ بعين الاعتبار استراتيجية تنويع الشركاء وعدم حصر الحساب في البعد الأوروبي فقط.
-توفير الطاقة
تتناول الدراسة أيضاً فرضية تحقيق وفورات في استهلاك الطاقة، والتي شكلت أحد المبررات الرئيسية لاعتماد الساعة الإضافية، وغير أنها تشير إلى أن تجارب دولية لم تثبت وجود مكاسب طاقية صافية، بل سجلت في بعض الحالات ارتفاعاً في الاستهلاك المنزلي نتيجة زيادة استخدام التكييف مساءً.
وتدعو الورقة إلى نشر معطيات الحمل الكهربائي الوطنية بشكل مفصل، لتمكين الخبراء من تقييم الأثر الحقيقي للسياسة الزمنية على استهلاك الطاقة، بعيداً عن الافتراضات العامة.
-عدالة مجالية
تخصص الدراسة حيزاً مهماً لمسألة العدالة المجالية، معتبرة أن أثر التوقيت لا يتوزع بشكل متساوٍ بين مختلف الجهات، فالمناطق القروية أو الهامشية، التي تعرف ضعفاً في الإنارة العمومية ووسائل النقل، قد تتأثر بشكل أكبر بفترات الصباح المظلم.
وترى أن هذا البعد الاجتماعي ينبغي أن يكون جزءاً من أي قرار سيادي، بما يضمن مراعاة الفوارق المجالية وحماية الفئات الأكثر هشاشة، خاصة النساء والتلاميذ.
-توصيات
تختتم الدراسة بجملة توصيات عملية قصيرة ومتوسطة المدى، من بينها الدعوة إلى إنجاز دراسة وطنية مستقلة وشاملة لتقييم الكلفة والمنفعة، وإطلاق استشارة عمومية موسعة حول التوقيت القانوني، إضافة إلى دراسة إمكانية اعتماد إجراءات تصحيحية مثل تأخير توقيت الدخول المدرسي والإداري خلال فصل الشتاء.
وتؤكد الورقة أن الحسم في مسألة السيادة الزمنية ينبغي أن يكون ثمرة نقاش مؤسس على المعطيات العلمية والمصلحة الوطنية، وصولاً إلى قرار سيادي نهائي يوازن بين التنافسية الاقتصادية وصحة المواطنين والعدالة المجالية.




تعليقات الزوار ( 0 )