
على غرار ما جرت به العادة في الحياة الحزبية المغربية، حيث يُنتخب الأمناء العامون ورؤساء الأحزاب خلال مؤتمراتها الوطنية العادية أو الاستثنائية، بعث الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى محمد شوكي بمناسبة انتخابه رئيسًا لحزب التجمع الوطني للأحرار، عقب انعقاد مؤتمره الاستثنائي.
ومما جاء في هذه البرقية إشادة واضحة بسلفه عزيز أخنوش، والتنويه بما بذله من جهود في تعزيز الحضور السياسي للحزب. غير أن هذه الإشادة لم تكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل حملت دلالات سياسية عميقة، عكست في تقدير عدد من المتتبعين ترتيبًا هادئًا لمرحلة ما بعد أخنوش، سواء على مستوى قيادة الحزب أو على مستوى رئاسة الحكومة.
ففي السياق السياسي المغربي، لا يمكن فصل دينامية الأحزاب عن منطق الدولة وتوازناتها الكبرى، حيث أنه منذ الاستقلال، ظل تعيين الوزير الأول، ثم رئيس الحكومة بعد دستور 2011، يخضع لمعادلات مركبة تتداخل فيها نتائج الانتخابات مع اعتبارات الاستقرار السياسي وضبط التوازن بين الفاعلين. ففي عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لم يكن الدستور يُلزم بتعيين الوزير الأول من الحزب المتصدر للانتخابات، ما أتاح تعيين شخصيات تكنوقراطية أو سياسية مستقلة مثل كريم العمراني وعبد اللطيف الفلالي وعز الدين العراقي.
ومع نهاية التسعينيات، وفي إطار التحضير لانتقال سلس للعرش، تم تمكين عبد الرحمن اليوسفي، الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي، من رئاسة حكومة التناوب، في تجربة اعتُبرت آنذاك منعطفًا ديمقراطيًا مهمًا. غير أن تصدر الاتحاد الاشتراكي لانتخابات 2002 لم يؤدِّ إلى تجديد ولاية اليوسفي، حيث عُيّن إدريس جطو وزيرًا أول، في خطوة أثارت نقاشًا واسعًا حول مفهوم “المنهجية الديمقراطية”.
وقد أعاد دستور 2011 الاعتبار جزئيا لهذا المفهوم، حين نص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر للانتخابات التشريعية. إلا أن تجربة عبد الإله بن كيران بعد انتخابات 2016 أبرزت حدود هذا المقتضى، إذ لم تُجدد ولايته رغم فوز حزبه، وتم اللجوء إلى ما عُرف بـ“البلوكاج الحكومي” قبل تعيين سعد الدين العثماني. ويُذكر أن عزيز أخنوش، بصفته رئيسًا للتجمع الوطني للأحرار ووزيرًا للفلاحة آنذاك، كان أحد الفاعلين الرئيسيين في تلك المرحلة.
منذ انتخابه رئيسا لحزب التجمع الوطني للأحرار سنة 2016، عمل أخنوش على إعادة هيكلة الحزب وتوسيع قاعدته التنظيمية، مستفيدا من شبكة علاقاته الاقتصادية والإعلامية. وقد تُوج هذا المسار بتصدر الحزب لانتخابات 2021، في سياق انهيار مدوٍّ لحزب العدالة والتنمية. وتولى أخنوش رئاسة الحكومة، معتمدا خطابا يقوم على “الدولة الاجتماعية” وتعزيز الاستثمار وتحفيز النمو.
خلال ولايته، أطلقت الحكومة أوراشا كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية، وتوسيع التغطية الصحية، وإقرار دعم مباشر للأسر المعوزة، إلى جانب تحفيز الاستثمار العمومي والخاص. كما أكدت الحكومة أنها اشتغلت في سياق دولي صعب، اتسم بتداعيات جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وتوالي سنوات الجفاف.
غير أن هذه المنجزات لم تحجب الانتقادات الواسعة التي طالت أداء الحكومة، خاصة فيما يتعلق بارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات. فقد شهدت السوق الوطنية موجة غلاء مستمرة، شملت الخضر والفواكه واللحوم والدواجن، ما أثّر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للطبقات الوسطى والفقيرة. وزاد من حدة الجدل استمرار تصدير المنتجات الفلاحية إلى الخارج، في وقت عرفت فيه السوق الداخلية خصاصا وارتفاعا في الأسعار، ما غذّى اتهامات بتغليب منطق التصدير والاحتياطي النقدي على حساب التوازن الاجتماعي.
كما أثار قرار إلغاء شعيرة ذبح الأضاحي سنة 2025، بسبب تراجع أعداد القطيع وارتفاع أسعار اللحوم، نقاشًا مجتمعيًا واسعا، واعتبره البعض مؤشرا على اختلالات في السياسات الفلاحية التي أشرف عليها أخنوش سابقا كوزير للفلاحة.
وترافقت هذه الانتقادات مع اتهامات بتضارب المصالح، خاصة في ما يتعلق بقطاع المحروقات وصفقات تحلية المياه، وهي ملفات ظلت حاضرة في الخطاب المعارض.
وقد بلغت حدة الاحتقان ذروتها مع احتجاجات “جيل زد”، التي اندلعت في عدة مدن، مطالبة بإصلاحات عميقة في الصحة والتعليم ومحاربة الفساد، بل ورفعت شعارات تطالب بإقالة الحكومة. ورغم تفاعل المؤسسة الملكية مع بعض المطالب الاجتماعية، فإن صورة رئيس الحكومة تأثرت بهذه التطورات، خاصة مع بروز انطباع بوجود نزعة نحو شخصنة القرار الحكومي والاستفراد بالتدبير.
في هذا السياق المشحون، جاء إعلان عزيز أخنوش عدم الترشح مجددًا لرئاسة الحزب مفاجئًا، حتى لعدد من قيادات الحزب. فقد كان الحديث متداولًا عن إمكانية تمديد قيادته إلى ما بعد انتخابات 2026، لقيادة الحزب في الاستحقاقات المقبلة. غير أن قراره فُهم باعتباره إقالة سياسية تدريجية، تُبعده عمليًا عن رئاسة الحكومة المقبلة، بالنظر إلى أن الدستور يربط رئاسة الحكومة بقيادة الحزب المتصدر.
وقد عزز هذا التأويل غياب أخنوش عن بعض الأنشطة الرسمية البارزة، ما اعتبره البعض مؤشرًا على بداية انتقال سلس نحو مرحلة جديدة. وهكذا، تبدو إزاحته من رئاسة الحزب خطوة ضمن إعادة ترتيب أوسع للمشهد السياسي، استعدادًا لاستحقاقات 2026 وما بعدها.
ذلك أن المرحلة المقبلة لا تقتصر على رهانات انتخابية تقليدية، بل ترتبط بتحديات استراتيجية كبرى، من بينها استكمال ورش الجهوية المتقدمة، وتنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، والاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، بما يفرضه من تعبئة مؤسساتية واقتصادية ودبلوماسية. وهي رهانات تتطلب، في نظر صناع القرار، إعادة هندسة التوازنات السياسية بما يضمن الانسجام والاستقرار.
وعليه، فإن إزاحة عزيز أخنوش من قيادة الحزب لا يمكن قراءتها فقط كخيار تنظيمي داخلي، بل كحلقة في مسار أوسع يعكس تفاعل منطق الدولة مع مقتضيات المنهجية الديمقراطية. فبين احترام نتائج الانتخابات وضمان استمرارية الدولة، يظل النظام السياسي المغربي قائمًا على معادلة دقيقة توازن بين الشرعية الانتخابية والشرعية التوافقية.
إن مرحلة ما بعد أخنوش تفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة الحزبية، سواء داخل الأغلبية الحالية أو في صفوف المعارضة، في أفق انتخابات 2026. كما تطرح سؤال تجديد النخب السياسية، وقدرتها على مواكبة رهانات “الدولة الجديدة” التي تتشكل ملامحها في أفق 2030.
على سبيل الختام
تعكس هذه التطورات أن الحياة السياسية المغربية لا تتحرك فقط بمنطق الصراع الحزبي، بل ضمن هندسة مؤسساتية دقيقة، تُعيد توزيع الأدوار كلما اقتضت الضرورة ذلك، حفاظا على التوازن بين الاستقرار والإصلاح، وبين منطق الدولة ومتطلبات الديمقراطية.




تعليقات الزوار ( 0 )