ليست لحظة الخلاف حول مشروع قانون مهنة المحاماة لحظة عابرة في مسار تشريعي عادي، بل هي لحظة كاشفة ولحظة تنفجر فيها التوترات العميقة التي تراكمت بصمت بين السلطة ومن يفترض أنهم شركاء في إنتاج المعنى القانوني والشرعية الرمزية، فنحن أمام مشهد لا يمكن قراءته بمنطق النصوص وحدها، لأن ما يتحرك في العمق هو سؤال السلطة ومن يملكها وكيف تمارس وعلى من تمارس وما الذي يحدث حين تتحول من أداة تنظيم إلى وسيلة قهر.
فالسلطة كما صاغها ماكس فيبر ببرود عالم الاجتماع هي القدرة على فرض الإرادة داخل علاقة اجتماعية حتى في مواجهة المقاومة، غير أن هذه الصيغة على جفافها الظاهري تخفي عنفا كامنا، لأنه عنف جعل الآخر يمتثل لأنه لا يملك خيااً آخر، وحين يعرض مشروع قانون مرفوض مهنيا ويدفع به في مسار تشريعي دون تجسيد فعلي لما يعلن عن حوار مفتوح، فإن السلطة هنا لا تفاوض بل تختبر قدرتها على الفرض وعلى قياس حدود المقاومة الممكنة.
وفي هذا السياق لا يعود مشروع قانون المحاماة مجرد نص تنظيمي، بل يتحول إلى أداة لإعادة ترتيب مواقع القوة داخل الحقل القانوني، فالمحاماة تاريخيا لم تكن مجرد مهنة بل موقعا رمزيا حساسا، لأنها في موقع من يواجه الدولة باسم الفرد ويتحدث في حضرة السلطة بلغة الحقوق لا بلغة الطاعة، لذلك فإن أي محاولة لتطويع هذا الموقع أو تقليص استقلاله لا تقرأ كمجرد إصلاح تقني بل كتحول في ميزان القوة، وكإعادة تعريف لمن يملك حق الكلام ومن يطلب منه الصمت.
وقد فهم ميشيل فوكو مبكرا أن السلطة لا تحتاج دائما إلى القمع الصريح لأنها تعمل بذكاء عبر القواعد والإجراءات والخطابات، وأن أخطر أشكالها هي تلك التي تقدم في صورة عقلانية ومحايدة، فالسلطة في نظره هي أن تجعل الآخر يعاني دون أن تترك على جسده أثرا مباشرا لأنها تستبطن القهر داخل التنظيم ذاته، ومن هنا يصبح القانون نفسه وسيلة إخضاع حين يصاغ دون مشاركة ويفرض باسم المصلحة العامة بينما يقصي من هم في قلب المهنة.
إن احتجاج المحامين بكل أشكاله التصعيدية لا يمكن فهمه كامتناع عن العمل أو كإرباك للمرفق القضائي بل كفعل كشف، فهو يكشف أن العدالة التي تبدو مؤسسة صلبة تقوم في الحقيقة على توازن هش بين سلطات متعددة، وأن تعطيل هذا التوازن يؤدي بالضرورة إلى اهتزاز البناء كله، وهذا ما يجعل التوقف الشامل ومقاطعة المنصات الرقمية واللجوء إلى الشارع والندوة الصحفية أفعالا سياسية بامتياز حتى وإن ارتدت لباسا مهنيا.
هنا نستحضر بيير بورديو حين قال أن السلطة الرمزية هي سلطة لا تمارس إلا بتواطؤ من يخضعون لها، وحين يرفض المحامون هذا التواطؤ فإنهم ينسحبون من لعبة الشرعنة الصامتة، ويجبرون السلطة على الظهور في صورتها العارية، فهي سلطة تملك القرار لكنها تفتقر إلى القبول، وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أي سلطة، لأن القهر مهما اشتد لا ينتج استقرارا بل يؤجل الانفجار.
وليس صدفة أن يتحول خطاب المحامين من الدفاع عن المهنة إلى الدفاع عن العدالة والمواطن، فكما قال أنطونيو غرامشي فإنه حين تفقد الهيمنة قدرتها على الإقناع لا يبقى لها إلا القسر، والهيمنة هنا ليست سياسية فقط بل قانونية وأخلاقية، فحين يشعر المحامي أن دوره يختزل وأن استقلاله يمس فإنه يدرك أن المواطن سيكون الضحية التالية، لأن المحامي المقيد لا يستطيع أن يكون صوت من لا صوت له.
فالسلطة، في أحد أكثر تعريفاتها قسوة كما عبر عنها عالم الاجتماع رالف داهرندورف هي علاقة تقوم على انقسام المجتمع بين من يملك الأمر ومن يطلب منه الامتثال. غير أن المجتمعات التي تسعى إلى الاستقرار لا تديم هذه القسمة بل تعمل على تليينها عبر المشاركة والاعتراف المتبادل، وما يجري اليوم يكشف خللا في هذا المسار لأن الإصرار على تمرير مشروع قانون مرفوض مهنيا يعيد إنتاج منطق نحن نقرر وأنتم تنفذون.
وفي هذا الموضع تحديدا تكتسب مقولة حنا آرندت معناها الأكثر إيلاما حين فرقت بين السلطة والعنف، معتبرة أن العنف يظهر حين تفشل السلطة في إقناع من تخاطبهم، فحين تتآكل الثقة ويتحول الحوار إلى واجهة شكلية يصبح الإكراه هو اللغة الوحيدة المتبقية، غير أن الإكراه مهما بدا فعالا في المدى القصير يترك جروحا عميقة في الجسد الاجتماعي.
إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعا عن فئة بل عن فكرة، وهذه الفكرة مؤداها أن القانون ليس أداة بيد السلطة بل قيدا عليها، وأن من لا يملك السلطة يقهر نعم، لكن المجتمعات التي تقبل بهذا القهر دون مقاومة تفقد قدرتها على حماية نفسها، لذلك فإن هذا الصراع بكل ما يحمله من توتر وحدة هو في جوهره صراع على المعنى في أبعاده الثلاثة، وهي معنى الإصلاح ومعنى السلطة ومعنى العدالة.
وحين يصر المحامون على سحب مشروع القانون رقم 23-66، وعلى إعادة النقاش حوله بمنهجية تشاركية حقيقية، فإنهم لا يطالبون بامتياز بل يطالبون بالاعتراف، فهم يطالبون بالاعتراف بأنهم ليسوا موضوعا للتنظيم فقط بل شركاء في صياغته، وبالاعتراف أن السلطة التي لا تقاوم تميل والاعتراف بأن العدالة لا يمكن أن تولد من رحم القهر بل من فضاء تتقاطع فيه الإرادات على أساس الكرامة والحرية والتوازن.
وهكذا يتجاوز هذا الصراع لحظته الظرفية ويصبح علامة على مفترق طرق، فإما سلطة تسمع وتراجع وتشرك أو سلطة تفرض وتقهر وتراكم الصمت إلى أن يتحول إلى صراخ، وفي هذا الاختيار بالذات لا تحدد فقط ملامح مهنة بل ملامح مجتمع بأكمله.




تعليقات الزوار ( 0 )