في قراءة تحليلية عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا، قدّم الوزير الجزائري الأسبق والمفكّر المعروف بمعارضته للنظام العسكري، نور الدين بوكروح، مقاربة سياسية تربط بين ما تعيشه إيران اليوم وما يمكن أن تواجهه الجزائر إذا استمر منسوب الهشاشة الداخلية وتراكم الضغوط الخارجية.
المقال، الذي كتبه بلغة نقدية صارمة، واضطلعت عليه جريدة “الشعاع الجديد” لا يكتفي بتشريح التجربة الإيرانية، بل يحوّلها إلى جرس إنذار موجّه للسلطة في الجزائر.
من ثورة ضد الشاه إلى دولة دينية مأزومة
ويستحضر بوكروح تجربته الشخصية مع الثورة الإيرانية أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين تابع من الداخل سقوط نظام الشاه، قبل أن يعبّر مبكراً عن شكوكه في مآلات الثورة التي كان يُفترض أن تفضي إلى الديمقراطية.
ويرى أن تحالف القوى السياسية والفكرية الذي أسقط الملكية تم الانقلاب عليه لاحقاً من طرف رجال الدين، ما أفرز “جمهورية إسلامية” سرعان ما تحولت، بحسبه، إلى ديكتاتورية دينية تحكم باسم الفقيه والمهدي.
ويشدّد الكاتب على التناقض البنيوي بين مفهوم “الجمهورية” بوصفها شأناً إنسانياً عاماً، وبين نظام يستمد شرعيته من تفويض إلهي، معتبراً أن هذا التناقض هو ما فجّر الاحتجاجات الإيرانية الراهنة، حيث بات الشعب في مواجهة نظام فقد أي سند اجتماعي.
إيران بين الشارع والتهديد العسكري
وبحسب بوكروح، تعيش إيران اليوم أحد أسوأ أوضاعها التاريخية: شعب غاضب يطالب بالحريات المدنية، ونظام عاجز عن القمع الشامل خوفاً من العواقب الدولية، في مقابل تهديدات جدية بهجوم إسرائيلي–أمريكي محتمل.
ويضع هذا الوضع المزدوج، البلاد “بين المطرقة والسندان”، ويكشف حدود القوة العسكرية حين تنفصل السلطة عن مجتمعها.
الجزائر في قلب المقارنة
الشق الأخطر في تحليل بوكروح يتمثل في إسقاطه هذا المشهد على الوضع الجزائري. فهو يحذّر من تراكم عوامل زعزعة الاستقرار، داخلياً وخارجياً، في ظل اقتصاد هش ومناخ اجتماعي وسياسي “سامّ”، على حد تعبيره. ويرى أن أي قرار إداري أو ضريبي مثير للجدل، أو حتى إشارة خارجية، قد تكون كافية لفتح “صندوق باندورا”.
ويشير إلى أن السلطة نجحت مؤقتاً في احتواء بعض التحركات الاجتماعية، لكنها لم تعالج جذور الأزمة، معتبراً أن الاستقرار الحالي أشبه بإطفاء نار ما تزال جمرتها تحت الرماد.
دعوة إلى إصلاحات عميقة قبل فوات الأوان
وفي ختام تحليله، يدعو بوكروح إلى إجراءات “محورية وهيكلية” بدل الاكتفاء بالمسكنات، من بينها وقف تمويل الإنفاق العمومي بطباعة النقود، امتصاص الكتلة النقدية غير المغطاة، وإعادة الاعتبار لقيمة الدينار.
كما يشدّد على ضرورة التناسق بين القرارات السياسية والاقتصادية، وتبني خطاب صريح يشرح للناس حقيقة الوضع.
وعلى المستوى السياسي والحقوقي، يقترح إجراءات تهدئة عاجلة، مثل الإفراج عن سجناء الرأي، إلغاء القوانين القمعية، والتراجع عن مشاريع تشريعية مثيرة للجدل، وعلى رأسها قانون سحب الجنسية، محذّراً من أن المضي في هذا المسار قد يضع الجزائر في وضع شبيه بإيران: سلطة في صراع مع شعبها، وتحت تهديدات خارجية في آن واحد.




تعليقات الزوار ( 0 )