تعتبر الشيخوخة الديمغرافية في المغرب باعتبارها تحديا مؤجلا، غير أن المعطيات الإحصائية الأخيرة تكشف أن البلاد دخلت بالفعل مرحلة متقدمة من هذا التحول، بما يحمله من آثار اجتماعية واقتصادية عميقة. فقد أكدت المندوبية السامية للتخطيط، في تقريرها حول وضعية الأشخاص المسنين المعتمد على نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، أن الشيخوخة لم تعد مجرد توقع مستقبلي، بل أصبحت واقعًا بنيويًا يفرض نفسه بقوة على السياسات العمومية.
وحسب التقرير، بلغ عدد المغاربة البالغين 60 سنة فما فوق أزيد من 5 ملايين شخص سنة 2024، أي ما يعادل 13,8 في المائة من مجموع السكان. وتشير التوقعات إلى استمرار هذا المنحى التصاعدي، ليصل عدد المسنين إلى نحو 9,7 ملايين شخص في أفق 2050، بما يمثل حوالي 22,9 في المائة من السكان. ولا تكمن خطورة هذا التحول في الارتفاع العددي فقط، بل في انعكاساته المباشرة على التوازن بين الفئات العمرية، خاصة العلاقة بين السكان المسنين والسكان في سن النشاط الاقتصادي.
ضغط متزايد على الفئة النشيطة
تظهر مؤشرات الإعالة الديمغرافية حجم التحدي المقبل، إذ يُتوقع أن يرتفع معدل إعالة الأشخاص المسنين من 22,8 في المائة سنة 2024 إلى 39,4 في المائة سنة 2050. ويكشف هذا المسار عن تسارع مقلق، حيث تضاعف هذا المعدل تقريبًا خلال عقدين فقط، منتقلاً من 13,1 في المائة سنة 2004 إلى أكثر من 22 في المائة سنة 2024، ما يعكس سرعة غير مسبوقة في وتيرة الشيخوخة بالمغرب.
وفي الوسط الحضري، يُنتظر أن يرتفع معدل الإعالة تدريجيًا ليبلغ 36,9 في المائة بحلول 2050، مدفوعًا بتزايد عدد المسنين في المدن. أما في الوسط القروي، فإن الوضع يبدو أكثر حدة، إذ يُتوقع أن يصل المعدل إلى 46,6 في المائة في الأفق نفسه، نتيجة هجرة الشباب نحو المدن، وتراجع الخصوبة، وضعف الولوج إلى الخدمات الصحية، ما يفاقم هشاشة البنية السكانية القروية.
يرتبط هذا التحول العميق بالانتقال الديمغرافي الذي يشهده المغرب، حيث تراجع معدل الخصوبة إلى حوالي 1,97 طفل لكل امرأة سنة 2024، وهو مستوى يقل عن عتبة تجدد الأجيال، مقابل ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى 77,2 سنة. وقد أدى هذا التداخل بين انخفاض عدد الولادات وتحسن ظروف العيش إلى إعادة رسم الهرم السكاني.
وتؤكد معطيات الإحصاء العام للسكان أن نسبة الأطفال دون 15 سنة تراجعت إلى 26,5 في المائة سنة 2024، بعدما كانت في حدود 31 في المائة سنة 2004، في حين ارتفعت نسبة كبار السن بشكل متسارع. وتشير التوقعات إلى أن عدد المسنين قد يتقارب مع عدد الشباب في أفق أوائل أربعينيات هذا القرن، بعدما كان لا يتجاوز 26 مسنًا لكل 100 شاب سنة 2004، ليصل إلى حوالي 52 مسنًا لكل 100 شاب سنة 2024.
تأنيث الشيخوخة والهشاشة الاجتماعية
تكشف المعطيات كذلك عن ظاهرة تأنيث الشيخوخة، إذ تمثل النساء أكثر من نصف فئة المسنين بنسبة 51,2 في المائة، وترتفع هذه النسبة مع التقدم في العمر، خاصة بعد 80 سنة. غير أن هذا التفوق العددي لا يقابله تحسن في الوضع الاجتماعي، حيث تظهر الفوارق بشكل صارخ في الحالة العائلية ومستويات الحماية الاجتماعية.
ففي حين يظل أكثر من 90 في المائة من الرجال المسنين متزوجين، لا تتجاوز هذه النسبة لدى النساء 52 في المائة، بينما تعيش حوالي أربع نساء مسنات من كل عشر في وضعية ترمل، مقارنة برجل واحد من بين كل خمسة وعشرين. كما لا يستفيد من معاش تقاعدي سوى ثلث الرجال المسنين، مقابل أقل من 7 في المائة من النساء، بسبب ضعف اندماجهن سابقًا في سوق الشغل النظامي، ما يكرس تبعيتهن الاقتصادية للأسرة.
تقاعد محدود واستمرار العمل الاضطراري
اقتصاديًا، تظل مشاركة كبار السن في سوق الشغل ضعيفة، إذ لا يتجاوز معدل النشاط 16,1 في المائة. ورغم ذلك، يواصل عدد مهم من المسنين العمل، خاصة في الفئة العمرية بين 60 و69 سنة، والتي تمثل نحو 58,6 في المائة من مجموع المسنين. ويشتغل حوالي نصف النشيطين منهم لحسابهم الخاص، في أنشطة غير مستقرة تفتقر إلى التغطية الاجتماعية.
ويكشف التقرير أن 45 في المائة من المسنين الذين بلغوا سن التقاعد ما زالوا يزاولون نشاطًا مهنيًا، غالبًا بدافع غياب دخل قار، وهو ما يسلط الضوء على محدودية أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية، خصوصًا بالنسبة للعاملين في القطاع غير الرسمي، سواء في المدن أو في العالم القروي.
وتخلص المندوبية السامية للتخطيط إلى أن تسارع الشيخوخة الديمغرافية يفرض مراجعة شاملة للسياسات العمومية من أجل ضمان شيخوخة كريمة ومستدامة، ويشمل ذلك إصلاح أنظمة التقاعد، وتوسيع قاعدة المستفيدين منها، وتعزيز الخدمات الصحية والاجتماعية، ومحاربة العزلة، وتقليص الفوارق المجالية والنوعية.
وفي السياق نفسه، سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن دعا إلى تسريع تنفيذ خطة العمل الوطنية للشيخوخة النشيطة 2023-2030، واعتماد قانون إطار يؤطر الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للأشخاص المسنين. كما اقترح المجلس إجراءات عملية، من بينها رفع المعاشات، وتحسين التأمين الصحي، وتطوير الرعاية المنزلية، وتسهيل ولوج المسنين إلى سوق الشغل عبر صيغ مرنة تسمح بجمع الأجر مع المعاش التقاعدي.
كما أوصى بتقديم تحفيزات ضريبية للمقاولات التي تشغّل المسنين، وتشجيع مبادراتهم المقاولاتية، وتثمين خبراتهم، خصوصًا لدى مغاربة العالم، عبر إحداث منصة وطنية لتبادل الخبرات. وفي ظل هذه التحولات، لم يعد ممكناً التعامل مع الشيخوخة باعتبارها قضية هامشية، بل باتت رهانًا استراتيجيًا يعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل النموذج الاجتماعي والاقتصادي للمغرب.


تعليقات الزوار ( 0 )