رأت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية أن الحروب التي خاضها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو منذ هجمات 7 أكتوبر قادت إسرائيل إلى حالة من الاستنزاف العسكري والسياسي، بدل تحقيق الأهداف التي أعلنها بشأن إعادة تشكيل الشرق الأوسط وتعزيز الأمن الإسرائيلي.
وفي مقال رأي للكاتب ماكس بوت، حمل انتقادا حادا لسياسات نتنياهو، استعاد الكاتب تحذيرا أطلقه أول رئيس وزراء لإسرائيل ديفيد بن غوريون عام 1951، حين دعا إلى عدم الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لضمان أمن الدولة، مشددا على أن الأمن يرتبط أيضا بسياسة خارجية قائمة على السلام والتعايش مع الجيران.
وأشار المقال إلى أن نتنياهو، رغم تبنيه خطابا متشددا على مدى سنوات، كان في السابق أكثر حذرا في إدارة الحروب، حيث اعتمد على عمليات عسكرية محدودة تهدف إلى “احتواء التهديدات” دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة وطويلة.
واعتبر الكاتب أن اتفاقيات إبراهيم الموقعة عام 2020 مثلت أبرز إنجازات نتنياهو السياسية، بعدما نجحت في إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، مع وجود طموحات لتوسيع هذا المسار ليشمل السعودية.
لكن المشهد تغير بشكل جذري بعد هجمات حركة حماس في 7 أكتوبر، التي وصفها المقال بأنها أحدثت صدمة نفسية عميقة داخل إسرائيل، دفعت قطاعات واسعة نحو تبني مقاربة تقوم على السعي إلى “الأمن المطلق” والانتقام الشامل.
ومنذ ذلك التاريخ، وسعت إسرائيل نطاق عملياتها العسكرية لتشمل غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران والعراق واليمن، بينما تحدث نتنياهو عن تغيير “وجه الشرق الأوسط” وإعادة رسم خريطة المنطقة.
ورغم تفهم الكاتب لرغبة إسرائيل في الرد على الهجمات، إلا أنه يرى أن السياسات الحالية تأتي بنتائج عكسية، إذ تؤدي إلى إنهاك الجيش الإسرائيلي، وتقويض المصالح الاستراتيجية طويلة المدى، وتحويل إسرائيل إلى دولة تواجه عزلة دولية متزايدة.
كما اعتبر المقال أن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران كشفت حدود القوة الإسرائيلية، حتى في ظل الدعم الأمريكي الواسع، مشيرا إلى أن الأهداف المعلنة المتعلقة بتدمير البرنامجين النووي والصاروخي الإيراني أو تغيير النظام لم تتحقق.
وأضاف أن إيران ردت على التصعيد بإغلاق مضيق هرمز، بينما وجد نتنياهو نفسه مهمشا في مفاوضات السلام التي قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي فرض، بحسب المقال، وقف إطلاق نار في لبنان رغم رفض نتنياهو لذلك.
وأشار الكاتب إلى أن إسرائيل أصبحت أكثر اعتمادا على الولايات المتحدة عسكريا، مستشهدا بتقرير سابق لـ”واشنطن بوست” تحدث عن استهلاك الجيش الأمريكي كميات ضخمة من الذخائر المتطورة للدفاع عن إسرائيل خلال المواجهات مع إيران.
ونقل المقال عن مسؤول أمريكي قوله إن إسرائيل غير قادرة على خوض الحروب وتحقيق الانتصار بمفردها، مضيفا أن كثيرا من تفاصيل هذا الدعم لا تظهر للرأي العام.
وتوقف المقال عند تراجع صورة إسرائيل داخل الولايات المتحدة، حيث أظهرت استطلاعات رأي حديثة ارتفاع نسبة الأمريكيين الذين يتعاطفون مع الفلسطينيين مقارنة بإسرائيل، إلى جانب تزايد النظرة السلبية تجاه الدولة العبرية بسبب صور الدمار والخسائر البشرية في غزة.
كما انتقد الكاتب تصرفات الحكومة الإسرائيلية تجاه ناشطين دوليين شاركوا في “أسطول السلام” المتجه إلى غزة، معتبرا أن هذه الممارسات ساهمت في زيادة الغضب الدولي تجاه إسرائيل.
وفي تقييمه للوضع الميداني، قال بوت إن إسرائيل، رغم سيطرتها على أجزاء واسعة من قطاع غزة، لم تنجح في القضاء على حركة حماس، كما أن حزب الله لا يزال يشكل تهديدا في جنوب لبنان، بينما يواصل الجيش الإيراني استعادة قدراته بوتيرة أسرع من المتوقع.
وأشار المقال كذلك إلى الضغوط المتزايدة التي يواجهها الجيش الإسرائيلي بسبب استمرار العمليات العسكرية منذ أكتوبر 2023، لافتا إلى تحذيرات داخلية من حالة إنهاك غير مسبوقة في صفوف القوات المسلحة.
وختم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن إسرائيل، رغم قوتها العسكرية، تبقى دولة صغيرة من حيث عدد السكان مقارنة بمنطقة يتجاوز عدد سكانها 500 مليون نسمة، معتبرا أن محاولة فرض الهيمنة على الشرق الأوسط ستؤدي في النهاية إلى استنزاف أمن إسرائيل وقوتها بدل تعزيزها.




تعليقات الزوار ( 0 )