في سياق التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها الساحة السورية، يطفو على السطح جدل متصاعد حول طبيعة تعامل الحكومة السورية المؤقتة مع ملف التنظيمات المتشددة، وعلى رأسها ما بات يُعرف بتنظيم “داعش”. وبعد تعهدها، خلال نونبر الفائت، أمام مجلس الأمن الدولي، بالانخراط في مكافحة كل من تنظيمي القاعدة وداعش، إلى جانب تفكيك شبكات المقاتلين الأجانب، وجدت نفسها أمام معادلة معقدة تضعها بين التزاماتها الدولية من جهة، وامتداداتها السابقة وتحالفاتها الميدانية من جهة أخرى.
هذا الوضع المحرج دفع، وفق معطيات ميدانية وتقارير إعلامية متقاطعة، إلى بروز نمط جديد في تدبير هذا الملف، يقوم على توسيع دائرة توظيف تهمة “الانتماء إلى داعش” باعتبارها أداة جاهزة لتبرير الاعتقال أو الإقصاء، حيث طالت هذه التهمة عددا من المقاتلين الأجانب الذين كانوا في وقت سابق جزء من تحالفات ميدانية، حيث وُجهت إليهم اتهامات تتراوح بين الانتماء المباشر إلى التنظيم أو حتى التفاعل مع محتواه الدعائي، في مقابل غياب إجراءات مماثلة في حالات مشابهة داخل البيئة المحلية الموالية، وهو ما أثار تساؤلات حول ازدواجية المعايير في تطبيق هذه السياسات.
ويكتسي هذا النقاش حساسية إضافية بالنظر إلى التزامات الحكومة نفسها أمام المجتمع الدولي، والتي نصت على ضرورة ضمان الأمن دون تمييز. غير أن استبعاد المقاتلين الأجانب من هذا الإطار، تحت مبررات السيادة الوطنية أو خطاب “سوريا للسوريين”، يعزز فرضية أن توصيف “داعش” قد يتحول إلى أداة سياسية لإعادة ترتيب المجال الأمني، أكثر من كونه توصيفا دقيقا للانتماء التنظيمي.
حادثة تدمر، التي وقعت في 13 دجنبر الماضي، شكلت نقطة مفصلية في هذا الجدل. فالهجوم الذي استهدف اجتماعا أمنيا مشتركا بين مسؤولين سوريين ووفد من التحالف الدولي، وأسفر عن سقوط قتلى من الجانب الأمريكي، سارع إلى إعادة طرح السؤال حول طبيعة التصنيفات الأمنية المعتمدة، حيث أعلنت السلطات على الفور أن المنفذ “عنصر داعشي”، غير أن معطيات لاحقة كشفت ارتباطه السابق بشبكات قريبة من تنظيم القاعدة، بل وانخراطه ضمن جهاز الأمن العام نفسه لفترة زمنية معتبرة.
هذه التناقضات لم تتوقف عند حدود الرواية المحلية، بل امتدت إلى المواقف الدولية، حيث تبنت دونالد ترامب ودوائر عسكرية أمريكية توصيف “داعشي” للمنفذ، في حين أشارت عمليات لاحقة نفذتها القيادة المركزية الأمريكية إلى ارتباطات أوثق بين منفذ الهجوم وشخصيات من تنظيم القاعدة، دون أن يتم تعديل الرواية الرسمية، في ما يبدو أنه محاولة لتفادي إحراج سياسي وأمني مزدوج.
في هذا السياق، يبرز انخراط الحكومة السورية المؤقتة في التحالف الدولي ضد داعش كعامل ضاغط يفسر هذا السلوك، إذ يفرض عليها التماهي مع أجندة دولية تركز على مكافحة الإرهاب، حتى وإن كان ذلك على حساب إعادة توصيف حلفاء الأمس ضمن خانة “التهديد”. كما أن طبيعة هذا التحالف، الذي استهدف في عملياته قيادات من القاعدة وفصائل أخرى تحت مظلة “مكافحة داعش”، تعزز الانطباع بأن المفهوم نفسه بات مرناً وقابلاً للتوظيف السياسي.
بناءً على ذلك، يمكن قراءة توظيف تهمة “داعش” ليس فقط كأداة أمنية، بل كآلية لإعادة تشكيل الحقل المسلح في سوريا، عبر إقصاء الفاعلين غير المنضبطين، وتقديم ذلك في قالب يتماشى مع الشرعية الدولية، وهو ما يطرح، في العمق، سؤالا أكبر حول حدود التداخل بين الأمني والسياسي في إدارة النزاعات، وحول الكلفة التي قد تترتب عن هذا النوع من المقاربات على المدى المتوسط والبعيد.



تعليقات الزوار ( 0 )