تشهد السياسات العمومية بالمغرب تحولات عميقة في اتجاه إعادة ترتيب العلاقة بين المركز والمجال، بما يضمن تحقيق تنمية أكثر توازنًا ونجاعة، وفي هذا السياق، تبرز الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي يهدف إلى تمكين الجهات من أدوار أوسع في تدبير الشأن العام، وتعزيز قدرتها على الاستجابة لحاجيات الساكنة وفق خصوصياتها الترابية.
وتعكس الدينامية الجديدة في حكامة البرامج التنموية إرادة واضحة للانتقال من مقاربات تقليدية مركزية إلى نماذج تدبيرية تشاركية، تقوم على القرب والنجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما يطرح في المقابل تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة هذه التحولات على تقليص الفوارق المجالية وتحقيق العدالة الترابية المنشودة.
❖ تحولات الجهوية
يرى العباس الوردي، أستاذ القانون العام بجامعة محمد الخامس بالرباط، والمدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، أن الاجتماع الوزاري الأخير، الذي ترأسه جلالة الملك محمد السادس، شكل محطة مفصلية في مسار تنزيل الجهوية المتقدمة، من خلال الوقوف عند إحداثيات جديدة تروم توسيع الوعاء المرتبط بالعمل الميداني للجهات.
وأبرز الوردي في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذه الدينامية الجديدة لا تقتصر فقط على إعادة توزيع الأدوار، بل تمتد إلى إعادة صياغة العلاقة بين مختلف الفاعلين الترابيين.
وأكد على أن تكريس ميثاق اللاتمركز الإداري على أرض الواقع يعد أحد أبرز مرتكزات هذا التحول، حيث يتم تعزيز صدارة الجهة في تدبير التنمية، في انسجام مع روح الوثيقة الدستورية التي جعلت من الجهوية المتقدمة رافعة أساسية لتحقيق التوازن المجالي.
ولفت المدير العام للمجلة الافريقية للسياسات العامة، إلى أن هذا التوجه يعكس إرادة واضحة في تمكين الجهات من ممارسة اختصاصاتها بشكل فعلي.
وأضاف أن هذه التحولات ترتبط أيضًا بتوسيع رقعة التمويل، في إطار توجهات كبرى تسعى إلى بلوغ ما وصفه بـ”مغرب السرعة الواحدة”، وهو ما يعني تجاوز الفوارق التنموية بين المجالات الترابية، عبر توفير الإمكانيات الضرورية للجهات حتى تضطلع بأدوارها التنموية على الوجه الأمثل.
❖ جهوية صحية
فيما يتعلق بالقطاع الصحي، يشير الوردي إلى أن تعيين مدراء عامين لجهات صحية، جميعهم من الأطباء، يحمل دلالات قوية على توجه الدولة نحو تعزيز الحكامة الصحية على المستوى الجهوي، فاختيار كفاءات مهنية متخصصة يعكس حرصًا على إسناد المسؤولية لأهل الاختصاص.
وأبرز أن هذا التوجه يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”الجهوية الصحية”، التي تشكل امتدادًا عمليًا لمفهوم الجهوية المتقدمة، حيث يتم نقل جزء من تدبير المنظومة الصحية إلى المستوى الترابي، بما يسمح بالاستجابة بشكل أفضل لحاجيات المواطنين في مختلف الجهات.
وأكد على أن هذه الخطوة تسهم في تقليص الفوارق المجالية في المجال الصحي، من خلال تحسين عرض الخدمات الصحية وتوزيعها بشكل أكثر عدالة، وهو ما ينسجم مع الهدف الاستراتيجي المتمثل في تحقيق العدالة المجالية وضمان ولوج متكافئ للخدمات الأساسية.
❖ إصلاح قانوني
في سياق الإصلاحات القانونية، يشدد الوردي على أهمية تتميم وتعديل القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، معتبرًا أن هذه الخطوة تندرج في إطار تعزيز البنية القانونية والمؤسساتية للجهوية المتقدمة، فالقانون الجديد يكرس توزيعًا أكثر وضوحًا للاختصاصات بين ما هو ذاتي وما هو مشترك.
وأردف أن هذا الإصلاح يفتح المجال أمام بروز بنية جديدة قائمة على التعاون بين الجهة ومؤسسة العامل والوالي، في إطار تكامل بين المركزي واللامتمركز واللامركزي.
وشدد أستاذ القانون العام على أن ما سبق يعكس توجهًا واضحًا من طرف الدولة نحو تجاوز منطق التقسيم التقليدي للأدوار، لصالح منطق التكامل والتنسيق.
وأبرز أن هذا التطور يعزز من قدرة الجهات على ممارسة اختصاصاتها بشكل فعال، خاصة في ظل توسيع صلاحياتها وتدعيم مواردها المالية، بما يمكنها من الاضطلاع بدورها كفاعل رئيسي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
❖ حكامة تشاركية
فيما يتعلق بالحكامة، يؤكد الوردي أن إدراج شركات المساهمة ضمن البنية الترابية يشكل تحولاً نوعيًا في آليات تنفيذ المشاريع، حيث يتيح الجمع بين متطلبات الحكامة العمومية ومرونة التدبير المستمدة من القطاع الخاص، وهو ما من شأنه الرفع من نجاعة الأداء وتسريع وتيرة الإنجاز.
وأردف أن إحداث بوابة إلكترونية مخصصة يندرج في إطار تعزيز الشفافية، حيث تمكن المواطنين من الولوج إلى المعلومات والمشاركة في تقييم السياسات العمومية، إلى جانب الفاعلين العموميين والمنتخبين وممثلي السلطة التنفيذية على المستوى الترابي.
وأشار إلى أن هذا التوجه يعكس إرادة واضحة في ترسيخ مبادئ الديمقراطية التشاركية، من خلال إشراك المواطن في مختلف مراحل إعداد وتنفيذ وتتبع البرامج التنموية، بما يعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
❖ رقابة ومحاسبة
فيما يخص آليات الرقابة، يبرز الوردي أن التنميط الجديد للعلاقة بين المركز والجهات يقوم على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تفعيل آليات المراقبة المالية والإدارية بشكل منتظم، وهو ما يشكل ضمانة أساسية لحسن تدبير الموارد العمومية.
وأكد على أن دور المفتشية العامة للمالية والمفتشية العامة للإدارة الترابية يظل محوريًا في هذا الإطار، حيث تسهران على تتبع تنفيذ البرامج وتقييم الأداء، بما يضمن احترام قواعد الحكامة الجيدة.
وشدد على أن هذه الآليات الرقابية تعزز من مصداقية السياسات العمومية، وتساهم في ترسيخ ثقافة المساءلة، وهو ما يعد شرطاً أساسياً لنجاح ورش الجهوية المتقدمة وتحقيق أهدافه التنموية.
❖ رهان التنمية
يلفت الوردي إلى أن مجمل هذه التوجهات تؤكد أن التنمية الترابية والجهوية المتقدمة أصبحت خيارًا استراتيجيًا لا محيد عنه، في ظل التحديات المرتبطة بالفوارق المجالية والحاجة إلى تحقيق تنمية متوازنة وشاملة.
ويرى أن توسيع وعاء التمويل والاختصاصات، إلى جانب تمكين الجهات، يشكل مدخلاً أساسيُا لتعزيز دورها كصمام أمان للتنمية الترابية، فنجاح هذا الورش يظل رهينا بمدى قدرة الجهات على استثمار هذه الإمكانيات بشكل فعال.
وأكد على أن بلوغ الأهداف المرجوة من الجهوية المتقدمة يقتضي استمرار الإصلاحات وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن تحقيق تنمية مندمجة تستجيب لتطلعات المواطنين وتكرس العدالة المجالية.




تعليقات الزوار ( 0 )