تُروّج بعض المواقع الإلكترونية، في الآونة الأخيرة، معطيات وأخبارًا تزعم فتح تحقيقات موسعة من قبل الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، استنادًا إلى ما تصفه بـ«مصادر مطلعة»، وتربط أسماء أشخاص ومؤسسات وفاعلين سياسيين واقتصاديين بوقائع خطيرة تتعلق بغسل الأموال والتحويلات المالية المشبوهة، في صيغة تقريرية توحي بثبوت الأفعال وقيام المسؤوليات، قبل أن يقول القضاء كلمته، وقبل حتى أن تتأكد صحة وجود تلك الوقائع من أساسها.
غير أن مصادر قضائية مطلعة تؤكد أن هذه الأخبار لا أساس لها من الصحة، ولا تستند إلى أي بلاغ رسمي أو معطى صادر عن جهة قضائية أو أمنية مختصة، معتبرة أن ما يتم تداوله يدخل في خانة الإشاعة والترويج لمتابعات غير قائمة، والخلط غير المشروع بين البحث القضائي – إن وُجد – وبين الإدانة الإعلامية المسبقة، في مساس واضح بأبسط قواعد العدالة الجنائية.
وتوضح المصادر ذاتها أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، باعتبارها جهازًا متخصصًا يعمل تحت إشراف النيابة العامة المختصة، لا تشتغل بمنطق التسريبات ولا وفق منطق الإثارة الإعلامية، وإنما في إطار أبحاث سرية دقيقة، يخضع كل إجراء من إجراءاتها لمقتضيات صارمة نصت عليها قواعد المسطرة الجنائية، التي تجعل من سرية البحث التمهيدي والتحقيق الإعدادي ضمانة جوهرية لحسن سير العدالة، وحماية لقرينة البراءة، وصونًا لحقوق الدفاع.
إن المبدأ الدستوري القاضي بقرينة البراءة، كما كرسه الفصل 23 من الدستور، لا يُعد مبدأً نظريًا أو قيمة أخلاقية مجردة، بل قاعدة قانونية آمرة، مؤداها أن كل شخص يُعتبر بريئًا إلى أن تثبت إدانته بمقتضى حكم قضائي نهائي صادر عن محكمة مختصة. وأي ترويج إعلامي لمتابعات غير ثابتة، أو تقديم الاشتباه في صورة اليقين، يُشكل انحرافًا خطيرًا عن هذا المبدأ، ويحوّل الإعلام من ناقل للخبر إلى أداة للإدانة المسبقة والتشهير.
كما أن استعمال مفاهيم قانونية من قبيل “التورط”، و“الاشتباه”، و“رصد تحويلات مالية”، خارج سياقها القضائي الدقيق، ودون سند من قرارات أو بلاغات رسمية، يؤدي إلى إفراغها من محتواها القانوني، ويزرع لدى الرأي العام قناعات خاطئة، تمس بسمعة الأفراد وبثقة المواطنين في المؤسسات. فالتورط لا يُفترض ولا يُستنتج صحفيًا، بل يُثبت قضائيًا، وفق شروط صارمة تتعلق بثبوت الأركان القانونية للأفعال ونسبتها إلى فاعليها بأدلة مشروعة.
وتؤكد المصادر القضائية أن قواعد المسطرة الجنائية، حين شددت على سرية الأبحاث، لم تفعل ذلك عبثًا، بل حماية للحقيقة من التشويه، وللعدالة من التسييس، وللأشخاص من أن يتحولوا إلى موضوع محاكمات إعلامية موازية. فالإفشاء أو التلميح غير المسؤول إلى أبحاث مفترضة، أو الزج بأسماء وصفات دون موجب قانوني، لا يضر فقط بالأشخاص المعنيين، بل يمس كذلك بسير العدالة وبمصداقية مؤسساتها.
إن خطورة الترويج لإشاعة فتح تحقيق لا تكمن فقط في عدم صحتها، بل في آثارها القانونية والاجتماعية العميقة، إذ تُنتج إدانة رمزية سابقة على القضاء، وتُربك الرأي العام، وتُضعف الثقة في مبدأ الفصل بين السلطات، حين يُستبدل حكم المحكمة بعناوين مثيرة، والتحقيق القضائي بمعطيات غير مؤكدة.
وإذ تنفي المصادر القضائية أي أساس لما تم تداوله، فإنها تشدد في المقابل على أن دولة القانون لا تحتمي بالإنكار، ولا تتهرب من المحاسبة، لكنها ترفض أن تُدار العدالة بمنطق الإشاعة، أو أن تتحول أعمال الشرطة القضائية إلى مادة للترويج الإعلامي. فالمتابعة، إن وُجدت، لا تكون إلا بقرار قضائي معلل، وتخضع لمسطرة قانونية واضحة، وتُعلن بوسائلها الرسمية، لا عبر مواقع إلكترونية تتغذى على الغموض والإيحاء.
إن المسؤولية الإعلامية تقتضي التمييز الصارم بين الخبر والتحليل، وبين المعلومة الموثوقة والادعاء غير المؤسس، واحترام ما يفرضه القانون من ضوابط، حماية للأفراد، وصونًا لهيبة العدالة. أما القضاء، فسيظل الجهة الوحيدة المخولة للقول الفصل، متى توفرت وقائع ثابتة، وأدلة مشروعة، وإجراءات تحترم روح القانون ونصه.
مواقع تروّج إشاعة تحقيق وهمي
الشعاع ـ متابعة
الجمعة 23 يناير 2026 - 1:19 م
مواضيع ذات صلة
مؤتمر تطوير الكفاءات 2026 يضع “حوار الأجيال” في صلب بناء مغرب 2030
اليماني: المحمدية تحولت من قاطرة للصناعة الوطنية إلى مدينة منسية
الرباط تطالب بتعزيز صمود النظم الزراعية والغذائية بمنطقة الشرق الأدنى
أزيد من 34 ألف مغربي يؤدون مناسك الحج والتكلفة تشهد انخفاضا




تعليقات الزوار ( 0 )