أثار الاستطلاع الذي أجراه معهد IFOP حول علاقة المسلمين في فرنسا بدينهم، ثم حول جماعة الإخوان المسلمين تحديدا، جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية والأكاديمية الفرنسية. فإلى جانب الانتقادات المنهجية التي وُجهت إلى أسئلة الاستطلاع ونتائجه، برز سؤال أساسي ظل في الظل لفترة: من هي الجهة التي طلبت هذا الاستطلاع؟
وبحسب ما كشفته صحيفة لوموند الفرنسية، فإن الجهة التي كلفت IFOP بإجراء هذا الاستطلاع هي مجلة تحمل اسم “Écran de Veille” أي “شاشة المراقبة”، وهي مجلة سرية نسبيا وغير معروفة لدى الجمهور الواسع.
وتصدر هذه المجلة عن مجموعة Global Watch Analysis (GWA)، وهي بنية إعلامية تضم موقعا إلكترونيا، ودار نشر، وقناة على الانترنيت.
تقدم المجموعة نفسها على أنها منصة متخصصة في مكافحة التطرف والفكر المتشدد بجميع أشكاله، غير أن تحليل محتواها يُظهر تركيزا شبه حصري على الإسلام السياسي بشكل عام، وبشكل أدق على شبكات جماعة الإخوان المسلمين في فرنسا وأوروبا.
الجزء الأول من الاستطلاع، المنشور في نونبر 2025، تناول علاقة المسلمين في فرنسا بالإسلام والممارسات الدينية، وخلص إلى أن نسبة معتبرة من المستجوبين تُبدي تعاطفا مع تيارات إسلامية مختلفة. وقد استُخدمت هذه النتائج في النقاش العام بوصفها دليلا على ما سُمي “التطرف الكامن” داخل المجتمع المسلم.
أما الجزء الثاني، الذي أُنجز بطلب من الجهة نفسها، فذهب أبعد من ذلك، إذ ركز على الإخوان المسلمين، وابتكر ما سُمّي “مؤشر الاختراق السري”، عبر مجموعة أسئلة تفترض أن أعضاء الجماعة قد يُخفون انتماءهم عمدا.
وبناء على هذه المنهجية، خلصت الدراسة إلى تقدير عدد “الأعضاء العملياتيين” للجماعة في فرنسا بعشرات الآلاف، وهو رقم اعتبره كثير من الباحثين مبالغاً فيه وغير قابل للتحقق علمياً.
الجدل لم يتوقف عند المنهجية فقط، بل امتد إلى خلفيات المجلة نفسها، إذ تشير تحقيقات صحافية إلى وجود صلات محتملة بين مؤسس المجموعة وجهات قريبة من دولة الإمارات العربية المتحدة، المعروفة بعدائها السياسي لجماعة الإخوان المسلمين على المستوى الإقليمي.
هذه المعطيات أثارت تساؤلات حول استقلالية الاستطلاع، وإمكانية توظيفه في إطار حرب نفوذ سياسية وإيديولوجية، تُنقل أدواتها إلى الساحة الفرنسية عبر مراكز دراسات واستطلاعات رأي.
حذرت مجموعة من الهيئات، من بينها ممثلون عن المسلمين في فرنسا وباحثون في علم الاجتماع، من أن مثل هذه الدراسات، عندما تُقدم خارج سياقها العلمي الدقيق، قد تغذي الشك والوصم الجماعي، وتختزل مجتمعا متنوعا ومعقدا في أرقام مثيرة للقلق.
في المقابل، يدافع القائمون على المجلة عن عملهم باعتباره تحذيرا مبكرا من مخاطر التطرف، ويؤكدون أن من حق الرأي العام الاطلاع على هذه القضايا الحساسة.
يكشف الجدل حول هذا الاستطلاع أن المسألة لا تتعلق فقط بنتائج أرقام أو نسب، بل بسؤال أعمق: من يصنع المعرفة حول المسلمين في فرنسا؟ ثم لمصلحة من؟
وهو سؤال يزداد إلحاحا في سياق سياسي فرنسي متوتر، حيث تتقاطع قضايا الهوية والأمن والدين، والتأثيرات الجيوسياسية الخارجية.


الجهلاء من فرنسا الاستعمارية هم العدو الأكبر للاسلام والمسلمين.