شهدت الساحة السورية تحولا مفصليا في 18 يناير 2026، بتوقيع اتفاقية شاملة لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي مثلت نهاية مرحلة الإدارة الذاتية التي سيطرت على مناطق واسعة شرق الفرات. البنود التسعة التي تم تداولها من الاتفاقية، والتي تشكل جزءاً من اتفاق أوسع من 14 نقطة، لا تمثل مجرد تسوية عسكرية، بل هي وثيقة استسلام سياسي وعسكري لقوات (قسد) مقابل ضمانات محدودة، وتكريس لمبدأ استعادة الدولة السورية لسيادتها الكاملة على أراضيها.
تظهر هذه البنود أن الاتفاق جاء نتيجة لتوازن قوى جديد فرض على الأرض، حيث لم تعد )قسد( في موقع يسمح لها بفرض شروطها، بل أصبحت مضطرة لقبول شروط الاندماج التي تضمن تفكيك هيكلها العسكري والإداري المستقل.
يمكن تقسيم البنود المتداولة إلى ثلاثة محاور رئيسية تعكس جوهر الاتفاق: استعادة السيادة الإدارية والعسكرية، وتفكيك القوة العسكرية لـ )قسد (، وتقديم ضمانات سياسية محدودة.
أولا: استعادة السيادة والسيطرة الإدارية (البنود 3، 4، 5)
تمثّل هذه البنود الصيغة الأكثر حزما في التأكيد على مبدأ السيادة الوطنية ووحدة الدولة، إذ تعكس توجها سياسيا واضحا يقوم على استعادة السلطة المركزية لكامل وظائفها الإدارية والعسكرية والاقتصادية في المناطق الخارجة سابقا عن سيطرتها. فالنص على تسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريا وعسكريا إلى الحكومة السورية بشكل كامل وفوري لا يحمل بعدا إجرائيا فحسب، بل ينطوي على دلالة سياسية عميقة مفادها إنهاء أي وجود لسلطات أمر واقع أو كيانات موازية، وإغلاق الباب عمليا أمام أي تصور لحكم ذاتي أو إدارة مستقلة في محافظتين تعدان من أكثر المناطق استراتيجية من حيث الجغرافيا والموارد والعمق الاجتماعي.
وفي السياق نفسه، يأتي بند دمج جميع المؤسسات المدنية في محافظة الحسكة ضمن مؤسسات الدولة وهياكلها الإدارية ليعبر عن توجه صريح نحو تفكيك نموذج )الإدارة الذاتية( في معقله الرئيسي، ليس عبر التعايش أو إعادة التوصيف، بل من خلال الإلغاء المؤسسي الكامل للهياكل الموازية وإعادة توحيد الإدارة المدنية تحت مظلة الدولة المركزية. ويكشف هذا البند عن رفض واضح لأي صيغة وسطية تبقي على قدر من الاستقلال الإداري أو الخصوصية السياسية، ويؤكد أن الدولة تنظر إلى وحدة الإدارة باعتبارها جزءا لا يتجزأ من وحدة السيادة.
ويتعزز هذا المسار أكثر من خلال البند المتعلق باستلام الحكومة السورية لكامل المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز وتأمينها من قبل القوات النظامية، وهو بند يحمل ثقلا سياديا واقتصاديا بالغ الأهمية. فاستعادة السيطرة على الموارد الطبيعية والمعابر لا تعني فقط إعادة تدفق الإيرادات إلى خزينة الدولة، بل تمثل استرجاعا فعليا للقرار الاقتصادي والسيادي، وإنهاء حالة الاستقلال المالي التي شكلت أحد أعمدة مشروع الإدارة الذاتية. كما أن إسناد مهمة الحماية للقوات النظامية يؤكد احتكار الدولة لاستخدام القوة، وينهي أي ازدواج أمني أو عسكري في هذه المناطق.
وبمجموعها، تفضي هذه البنود إلى إلغاء فعلي وشامل لمشروع )الإدارة الذاتية( على المستويات الإدارية والعسكرية والاقتصادية، وتكرس رؤية الدولة السورية القائمة على المركزية الصارمة ورفض الفيدرالية أو الحكم الذاتي الموسع. وهي رؤية لا تكتفي باستعادة الأرض، بل تسعى إلى إعادة إنتاج الدولة بوصفها الفاعل الوحيد المخول بإدارة المجال العام، وضبط الموارد، وصياغة القرار السياسي والاقتصادي، بما يعكس تصورا للسيادة لا يقبل التجزئة أو الشراكة في الوظائف الأساسية للدولة.
ثانيا: تفكيك القوة العسكرية والأمنية (البنود 1، 2، 6، 7، 9)
تعكس هذه البنود مقاربة أمنية-عسكرية متكاملة تهدف إلى إنهاء الدور المستقل ل)ـقسد ( بوصفها قوة عسكرية موحدة، واستبداله بمسار إدماج فردي محكوم بمنطق الدولة المركزية. فوقف إطلاق النار الشامل وما يرافقه من انسحاب التشكيلات العسكرية إلى شرق الفرات لا يمكن قراءته فقط كإجراء لخفض التصعيد، بل كخطوة تأسيسية لإعادة بسط السيطرة الحكومية على المناطق المستعادة، وتهيئة المجال لمرحلة إعادة الانتشار التي تسبق التفكيك العملي للبنية القتالية لـ)قسد(. هذا الانسحاب المنظم ينهي واقع الحرب المفتوحة، ويضع حدا لوجود عسكري مستقل خارج منظومة الدولة، ويدخل القوى المحلية في مسار سياسي/أمني جديد تحكمه قواعد مختلفة عن منطق الصراع.
ويبرز بند الدمج الفردي للعناصر العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بوصفه الركيزة الأساسية في هذا التصور، إذ لا يستهدف استيعاب )قسد( ككيان أو كقوة تفاوضية جماعية، بل يعمل على تفكيك هرمها القيادي وإنهاء استقلالها التنظيمي. فإدماج الأفراد، لا التشكيلات، يعني عمليا نزع القدرة على اتخاذ القرار العسكري المستقل، وتحويل المقاتلين السابقين إلى عناصر خاضعة للسلسلة القيادية الرسمية للجيش والأجهزة الأمنية، بما يضمن السيطرة المباشرة للدولة ويحد من أي إمكانية لإعادة تشكل قوة موازية مستقبلا.
في السياق نفسه، يأتي الالتزام بعدم ضم فلول النظام البائد وتسليم قوائم بضباطهم كأداة تطهير أمني وسياسي في ان واحد. فهذا البند لا يقتصر على منع إعادة إنتاج شبكات النفوذ القديمة، بل يعكس أيضا رغبة السلطة السورية الجديدة في إعادة تشكيل مؤسساتها الأمنية والعسكرية على أساس ولاءات جديدة، وضمان أن عملية الدمج لا تتحول إلى مدخل لاختراق الدولة من قبل عناصر ذات ارتباطات سابقة. ومن ثم يصبح هذا الشرط جزءا من منظومة رقابة صارمة تهدف إلى ضبط عملية الإدماج وتحويلها إلى مسار ولاء للدولة، لا مجرد تسوية شكلية.
أما ما يتعلق بمدينة عين العرب (كوباني)، فإن إخلاءها من المظاهر العسكرية الثقيلة وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة يقدم نموذجا مختلفا لإدارة الأمن المحلي. فهذا الترتيب يمنح المدينة خصوصية محدودة، تراعي حساسيتها الرمزية والاجتماعية، لكنه في الوقت ذاته لا يخرج عن الإطار المركزي للدولة، إذ تبقى القوة المحلية خاضعة لإشراف وزارة الداخلية. وبهذا يتحقق توازن دقيق بين متطلبات التطبيع الأمني وضرورات السيطرة المركزية، دون السماح بقيام كيان أمني مستقل أو ذي طابع عسكري ثقيل.
في المحصلة، تكشف هذه البنود عن استراتيجية متدرجة لتفكيك قسد كقوة عسكرية موحدة، لا عبر المواجهة المباشرة، بل من خلال إعادة الهيكلة والدمج المشروط والتطبيع الأمني الانتقائي. إنها مقاربة تسعى إلى إنهاء )ازدواجية السلاح والقرار(، وإعادة احتكار العنف المشروع بيد الدولة، مع محاولة استيعاب الواقع المحلي وتفكيك مصادر التهديد المحتملة على المدى المتوسط والبعيد.
هذا المحور يؤكد أن الاتفاق هو عملية )استيعاب ( وليست )شراكة( عسكرية، حيث تفقد )قسد( قدرتها على اتخاذ القرار العسكري المستقل.
ثالثا: الضمانات السياسية والاعتراف (البند 8)
يمثل البند الثامن المتعلق بإصدار مرسوم رئاسي لتعيين مرشح لمنصب محافظ الحسكة الضمانة السياسية الوحيدة ذات الطابع المباشر ضمن مجمل بنود الاتفاق، إذ يمنح هذا الإجراء بعدًا رمزيًا للمشاركة السياسية أكثر مما يؤسس لشراكة حقيقية في السلطة أو اعتراف ببنية حكم مغايرة للمركز. فالتعيين، من حيث طبيعته القانونية والدستورية، يظل قرارا سياديا صادرا عن رئاسة الجمهورية، يخضع لمنطق الدولة المركزية والياتها التقليدية في إدارة المحافظات، ولا يرقى إلى مستوى الانتخاب الحر أو التفويض الشعبي المحلي، ولا يعكس تحولا في بنية النظام الإداري أو السياسي القائم.
وتكمن أهمية هذا البند في كونه محاولة لامتصاص المخاوف السياسية لدى )قسد( بعد تفكيك بنيتها العسكرية والإدارية، عبر تقديم ضمانة محدودة تسمح لها بالحفاظ على حضور رمزي داخل مؤسسات الدولة، دون منحها أدوات فعلية للتأثير المستقل في القرار المحلي أو المركزي. فالمحافظ، حتى وإن كان مرشحا مقبولا أو مدعوما من )قسد(، يظل جزءا من هرم إداري خاضع لسلطة المركز، ومقيدا بالقوانين الناظمة للعلاقة بين المحافظات والحكومة، الأمر الذي يجعل دوره أقرب إلى تمثيل إداري منه إلى تعبير عن شراكة سياسية حقيقية.
وبذلك، يعكس هذا البند سقف التنازلات السياسية الممكنة في إطار الاتفاق، حيث تستبدل فكرة الحكم الذاتي أو اللامركزية السياسية بضمانة شخصية مرتبطة بمنصب إداري، ما يحول المشاركة السياسية إلى صيغة شكلية مؤطرة بمرسوم رئاسي قابل للتعديل أو الإلغاء، وليس إلى حق سياسي مؤسس دستوريا. وفي هذا السياق، يمكن قراءة البند الثامن كالية احتواء سياسي أكثر منه خطوة نحو إدماج سياسي متوازن، إذ يمنح قسد مكسبا رمزيا يحفظ ماء الوجه بعد خسارة مكتسباتها العسكرية والإدارية، دون أن يمس جوهر السيادة المركزية أو يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي في الحسكة.
الخلاصة والآفاق السياسية
الاتفاقية، في مجملها، هي وثيقة إعادة توحيد فرضت شروطها من قبل الدولة السورية بعد تراجع النفوذ الإقليمي والدولي لـ )قسد( وتصاعد الضغط العسكري. العنوان السياسي الأبرز لهذا الاتفاق هو )استعادة الدولة( أو )نهاية الإدارة الذاتية(.
الاثار السياسية الرئيسية:
1.انتصار لمبدأ الدولة المركزية: الاتفاق يكرس مبدأ السيادة الكاملة للدولة السورية على كامل أراضيها، ويرفض أي صيغة انفصالية أو حكم ذاتي خارج إطار الدستور المركزي.
2.تفكيك القوة الكردية المستقلة: تفقد قسد هويتها كقوة عسكرية وسياسية مستقلة، وتتحول إلى مجموعة من الأفراد المدمجين في مؤسسات الدولة.
3.تأثير إقليمي ودولي: الاتفاق يرضي تركيا بشكل كبير (خاصة مع البنود غير المذكورة المتعلقة بـ PKK)، ويضع الولايات المتحدة في موقف صعب، حيث ينهي وجود حليفها الرئيسي على الأرض، رغم أن بند التنسيق المشترك لمكافحة الإرهاب (البند الثالث عشر من الاتفاق الكامل) يترك بابا للتعاون المستقبلي.




تعليقات الزوار ( 0 )