لا تقتصر أهمية كتاب “To the Mountains: My Life in Jihad, from Algeria to Afghanistan” (إلى الجبال: حياتي في الجهاد من الجزائر إلى أفغانستان) لمؤلفه عبد الله أنس على كونه شهادة تاريخية من الداخل حول واحدة من أكثر التجارب تأثيرا في التاريخ السياسي المعاصر للعالم الإسلامي، بل تتجاوز ذلك إلى كونه نصا تأمليا يعيد من خلاله صاحبه بناء ذاته وإعادة فهم مساره الشخصي والفكري والسياسي.
إن الكتاب لا يروي فقط قصة شاب جزائري التحق بالمجاهدين الأفغان خلال الحرب ضد الاتحاد السوفياتي، بل يقدم أيضا محاولة، ولو أنها متأخرة، في سبيل إعادة تفسير تلك التجربة وإعادة ترتيب أحداثها في ضوء ما آلت إليه المنطقة والعالم خلال العقود اللاحقة.
ومن هنا تبدو مقاربة الفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وخاصة مفهوم “الهوية السردية”، أداة نظرية ملائمة لفهم هذا العمل. فريكور يرى أن الإنسان لا يمتلك هوية مكتملة ونهائية، بل يبني ذاته باستمرار من خلال السرد. نحن لا نعرف أنفسنا فقط عبر ما نعيشه، بل عبر الطريقة التي نحكي بها ما عشناه. لذلك تصبح السيرة الذاتية أكثر من مجرد استعادة للذكريات؛ إنها عملية تأويل للذات وإعادة تنظيم للتجربة داخل قصة تمنحها معنى وتماسكا.
في هذا الإطار يمكن النظر إلى كتاب عبد الله أنس باعتباره محاولة لصياغة هوية سردية جديدة، لأن الرجل الذي يكتب هذه الصفحات اليوم ليس هو الشاب نفسه الذي حمل حقيبته وغادر الجزائر إلى أفغانستان في مطلع الثمانينيات، فهو شخصية جديدة تنظر في الشخصية القديمة وتتأملها، وبين الشخصيتين تمتد عقود من التحولات والمتغيرات الكبرى، من أبرزها انهيار الاتحاد السوفياتي، الحرب الأهلية الأفغانية، اغتيال عبد الله عزام، صعود تنظيم القاعدة، أحداث الحادي عشر من سبتمبر، الحروب الأمريكية في العالم الإسلامي، ثم ظهور تنظيم داعش…
كل هذه الأحداث لا تشكل مجرد خلفية تاريخية للسيرة، بل تمثل العناصر التي دفعت صاحبها إلى إعادة التفكير في تجربته الأولى وإعادة بناء معناها.
يبدأ الكتاب من الجزائر، وهي ليست مجرد نقطة انطلاق جغرافية، بل فضاء لتكوين الوعي الأول لشخصية بوجمعة، من هنا يستعيد المؤلف طفولته في مجتمع خرج حديثا من تجربة الاستعمار الفرنسي، وكانت ذاكرة حرب التحرير الجزائرية ورائحة البارود ورموز الثورة ما تزال حاضرة بقوة في الوجدان الجماعي، ويذكر المؤلف أنه نشأ داخل بيئة محافظة ومتدينة، تتداخل فيها المرجعيات الوطنية والدينية، وتتشكل فيها صورة العالم من خلال قصص المقاومة والتضحيات، ومن خلال هذه العودة إلى البدايات يحاول عبد الله أنس أن يفسر للقارئ جذور اختياراته اللاحقة.
وفي هذا الجانب يبرز البعد الريكوري (نسبة إلى الفيلسوف بول ريكور) بوضوح. فالطفولة لا تُستعاد هنا باعتبارها مرحلة زمنية منتهية، بل باعتبارها مفتاحا لفهم ما سيأتي لاحقا، والسرد هنا يعيد ترتيب الماضي لكي يمنحه وظيفة تفسيرية داخل الحاضر، وهذا ما يطلق عليه ريكور وحدة الحبكة السردية التي تجعل الأحداث المتفرقة تبدو وكأنها أجزاء من قصة واحدة مترابطة.
يصف عبد الله أنس انتقاله التدريجي من التدين التقليدي إلى الانخراط في الحركات الإسلامية الحديثة، حيث تأثر أولا بالتصوف الشعبي المنتشر في المجتمع الجزائري، ثم بحركة التبليغ والدعوة التي عمقت لديه النزعة الروحية، قبل أن ينفتح على أدبيات الإخوان المسلمين وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي.
وفي هذا السياق الزمني من التنشئة الأولى تشكلت لديه قناعة بأن الإسلام ليس مجرد علاقة فردية مع الله، بل مشروع شامل لإصلاح المجتمع والدولة.
كان ذلك يحدث في سياق عربي وإسلامي خاص، حيث بدأت القومية العربية تفقد جاذبيتها بعد هزيمة 1967، فيما كانت الحركات الإسلامية تحقق حضورا متزايدا داخل الجامعات والمساجد.
وهكذا التقت الأزمة السياسية للنماذج القومية مع صعود البديل الإسلامي، لتنتج جيلا جديدا من الشباب الباحث عن معنى مختلف للالتزام السياسي والاجتماعي.
في غضون ذلك تأتي اللحظة الحاسمة في السيرة مع الغزو السوفياتي لأفغانستان سنة 1979، فكما أثرت الحرب الأهلية الإسبانية في أجيال من المثقفين الأوروبيين خلال القرن العشرين، أصبحت أفغانستان بالنسبة إلى كثير من الإسلاميين في الثمانينيات رمزا عالميا للمقاومة.
ويعترف عبد الله أنس بأنه لم يكن يعرف الكثير عن المجتمع الأفغاني أو تاريخه، لكنه رأى في مقاومة الاحتلال السوفياتي قضية أخلاقية تستحق الدعم والمساندة.
قبل أن يصل إلى أفغانستان يقدم الكتاب عرضا تاريخيا وسياسيا للصراع هناك، متناولا سقوط النظام الملكي وصعود النظام المدعوم من موسكو ثم التدخل العسكري السوفياتي، كما يتوقف عند الانقسامات داخل الحركة الإسلامية الأفغانية، وعند الشخصيات التي ستلعب أدوارا مركزية في الحرب مثل برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتيار وعبد الرسول سياف.
ويكشف هذا الجانب من الكتاب أن المؤلف لا يريد الاكتفاء بسرد تجربته الشخصية، بل يسعى إلى وضعها داخل إطار تاريخي أوسع.
عندما يصل إلى أفغانستان يبدأ الجزء الأكثر أهمية في السرد، وهناك يلتقي بالشخصية التي ستترك أثرا عميقا في حياته، ويتعلق الأمر بشخصية أحمد شاه مسعود، ويقدم أنس مسعود باعتباره نموذجا فريدا للقائد السياسي والعسكري، ويصفه بوصفه رجلا استطاع أن يجمع بين الشجاعة الميدانية والرؤية الاستراتيجية والقدرة على التفكير في مستقبل الدولة الأفغانية.
لا يخفي المؤلف إعجابه الشديد بمسعود، بل إن القارئ يلاحظ أن هذه الشخصية تتحول تدريجيا إلى أحد المراجع الأخلاقية والسياسية التي يقيس بها الأحداث والفاعلين الآخرين، ومن خلال وصفه لحياة المقاتلين في جبال “بنشير” و”تخار” وشمال أفغانستان، يقدم صورة مغايرة عن الحرب تختلف كثيرا عن السرديات الإعلامية التي سادت لاحقا.
لكن قيمة الكتاب لا تكمن في تمجيد المقاومة الأفغانية، بل في كشف التناقضات الداخلية التي كانت تعتمل داخلها، حيث كانت الخلافات بين أحمد شاه مسعود وقلب الدين حكمتيار مؤشرا مبكرا على الأزمة التي ستنفجر بعد الانسحاب السوفياتي. ومن هنا يبدو المؤلف وكأنه يقرأ الماضي بعين الحاضر، باحثا عن البذور الأولى للمآلات التي ستظهر فيما بعد.
ويحتل عبد الله عزام موقعا مركزيا في السرد. الرجل بالنسبة إلى المؤلف ليس مجرد شخصية تاريخية، بل هو أحد الفاعلين الرئيسيين الذين ساهموا في تشكيل التجربة الجهادية العالمية، حيث أصبح أنس من أقرب المقربين إليه، بل ارتبط به بعلاقة عائلية بعد زواجه من ابنته.
ومن خلال هذه العلاقة يقدم الكتاب تفاصيل دقيقة حول تأسيس “مكتب الخدمات” الذي لعب دورا أساسيا في استقبال المتطوعين العرب وتنسيق عملهم، وهنا تبرز أهمية هذه الصفحات التي لا تكمن في بعدها التوثيقي فقط، بل في محاولة المؤلف إعادة تفسير مشروع عبد الله عزام نفسه.
يرافع عبد الله أنس بوضوح عن فكرة أن عزام كان ينظر إلى الجهاد باعتباره مقاومة للاحتلال، وليس مشروعاًعالميا لإسقاط الأنظمة أو الدخول في مواجهة مفتوحة مع العالم.
وهنا تأتي أهمية التمييز الذي يقيمه المؤلف بين “الجهاد” و”الجهادية”، أو بين تجربة أفغانستان الأصلية وبين التحولات التي عرفتها فيما بعد.
وتتخذ الهوية السردية هنا شكلا جديدا، فالمؤلف لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يعيد تعريف المفاهيم نفسها التي شكلت حياته، إنه يعيد بناء اللغة التي يفهم بها الماضي، وهذه بالضبط إحدى الوظائف الأساسية للسرد عند ريكور: تحويل التجربة من مجرد ذكرى إلى معنى.
مع انسحاب القوات السوفياتية سنة 1989 يدخل الكتاب مرحلة أكثر قتامة. فبدلا من تحقيق الوحدة الوطنية اندلعت الحرب الأهلية بين الفصائل الأفغانية. وهنا والآن تبدأ خيبة الأمل الكبرى عندما اكتشف كثير من الذين شاركوا في الحرب أن الانتصار العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى بناء الدولة.
وتزداد هذه المراجعة عمقا مع اغتيال عبد الله عزام، الحدث الذي يعتبره المؤلف نقطة فاصلة في تاريخ الحركة الجهادية، لأن رحيل عزام، في نظره، ستفقد التجربة أحد الأصوات القادرة على الحفاظ على توازنها الفكري والأخلاقي، وفي الوقت ذاته بدأت تظهر اتجاهات جديدة ستتطور لاحقاً إلى تنظيم القاعدة.
ويحرص أنس على التأكيد أن الخلافات مع هذه الاتجاهات لم تكن طارئة، بل تعود إلى أواخر الثمانينيات، وهو يرى أن تحويل أفغانستان من ساحة مقاومة محلية إلى منصة لمشروع عالمي مفتوح كان خطأً استراتيجيا وسياسييا وأخلاقيا.
ومن هذا المنطلق تبدو المذكرات أيضا بمثابة دفاع عن قراءة معينة للتاريخ في مواجهة قراءات أخرى.
بعد ذلك ينتقل السرد إلى الجزائر خلال سنوات العشرية السوداء، وهناك يجد المؤلف نفسه أمام مأساة جديدة، حيث تحول الصراع السياسي إلى حرب أهلية دامية، ومن خلال هذه التجربة يزداد اقتناعه بأن العنف المسلح لا يستطيع أن يقدم حلولا مستدامة للأزمات السياسية والاجتماعية المعقدة.
ثم تأتي مرحلة لندن، حيث يراقب من بعيد التحولات الكبرى التي يشهدها العالم الإسلامي حيث يتابع صعود تنظيم القاعدة، ثم لاحقا التنظيمات الأكثر راديكالية، ويكتفي بالرصد والملاحظة كيف تحولت أفغانستان من تجربة تاريخية محددة إلى أسطورة سياسية وأيديولوجية تستعملها أطراف متناقضة لأغراض مختلفة.
في هذه المرحلة تكتمل الهوية السردية لعبد الله أنس، فهو لم يعد ذلك المقاتل الذي ينظر إلى العالم من زاوية واحدة، بل أصبح شاهدا يسعى إلى فهم تعقيداته وتناقضاته.
ولهذا تبدو المذكرات في جوهرها محاولة لإعادة امتلاك القصة عن طريق السرد باعتباره فاعلا شاهدا، فالإعلام الغربي قدم “الأفغان العرب” باعتبارهم أصل الإرهاب العالمي، بينما حولتهم بعض التنظيمات الجهادية إلى أبطال أسطوريين، أما عبد الله أنس فيحاول أن يكتب سردية ثالثة أكثر تعقيدا وإنسانية.
إن القيمة الفكرية للكتاب لا تكمن فقط في المعلومات التي يقدمها، بل في الطريقة التي يحول بها السيرة الفردية إلى نافذة لفهم التحولات الكبرى التي عرفها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، التاريخ هنا لا يُكتب من موقع المؤرخ المحايد، بل من موقع الفاعل الذي يعيد قراءة نفسه والعالم في آن واحد.
على سبيل الختام
لا يمكن النظر إلى كتاب “إلى الجبال: حياتي في الجهاد من الجزائر إلى أفغانستان ” باعتباره مجرد شهادة على الماضي، ليس هذا هو هدف الكتاب ومبتغاه، أهمية الكتاب تكمن في الأسئلة التي يطرحها من خلال السرد والتي ما تزال حاضرة بقوة في واقع المنطقة، ويتعلق الأمر بسؤال كيان الدولة الوطنية، وسؤال الشرعية السياسية، وسؤال العلاقة بين الدين والسياسة، وسؤال العنف والتغيير، والاحتلال الخارجي والاختلال الداخلي، كلها قضايا لم تجد بعد إجابات نهائية.
ولذلك فإن الجهاد الأفغاني لا يبدو في هذا الكتاب حدثا قد انتهى بانسحاب السوفيات أو بسقوط كابول، بل لحظة تاريخية ما تزال تلقي بظلالها على الحاضر.
لقد تغيرت الوجوه والأسماء والسياقات الدولية، لكن القصة لم تنته بعد. ما يزال الإرث الرمزي والسياسي لتجربة أفغانستان حاضرا في أشكال متعددة، وما تزال الدولة الوطنية في أجزاء واسعة من العالم العربي والإسلامي تواجه تحديات التأسيس والشرعية والاندماج. ومن هنا فإن مذكرات عبد الله أنس لا تحكي فقط قصة رجل ذهب إلى الجبال ثم عاد منها، بل تحكي قصة زمن كامل ما يزال يبحث عن نهايته، وقصة أسئلة كبرى ما تزال مفتوحة على احتمالات المستقبل.


تعليقات الزوار ( 0 )