يشير الإصدار الثاني من بارومتر منصة “ميغرابريس” (Migrapress)، المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، إلى تحول لافت في طبيعة الخطاب المعادي للمهاجرين داخل الفضاء الرقمي المغربي، بعدما لم يعد الأمر يقتصر على تسجيل ارتفاع في وتيرة المحتويات التحريضية، بل تعداه إلى رصد تشكل فضاءات رقمية متخصصة في إنتاج هذا الخطاب وإعادة تدويره وتطبيعه بشكل ممنهج، ويقدم التقرير قراءة علمية تستند إلى معطيات ميدانية وتحليل كمي ونوعي لمئات المنشورات، بهدف فهم ديناميات انتشار الكراهية وآليات اشتغالها داخل المنصات الرقمية.
ويسلط التقرير الضوء على الدور المتزايد الذي تلعبه العواطف، وعلى رأسها الخوف والغضب، في تعزيز انتشار المحتوى المعادي للمهاجرين، إلى جانب المكانة المركزية التي باتت تحتلها المعلومات المضللة في بناء الصور النمطية والأحكام المسبقة، ويرى معدو الدراسة أن فهم هذه التحولات يمثل مدخلا أساسيا أمام الباحثين والصحفيين وصناع القرار ومختلف الفاعلين الراغبين في التصدي لخطابات الكراهية وتعزيز نقاش عمومي قائم على المعطيات والحقائق.
مؤشرات مقلقة
يكشف التقرير أن 76.4 % من المحتويات التي خضعت للتحليل تندرج ضمن خطابات الكراهية أو الوصم أو التمييز أو التحريض على العنف، وهو ما يعكس هيمنة هذا النوع من المضامين داخل الفضاء الرقمي الذي شملته الدراسة. كما سجلت 72.4 %من المنشورات مستوى متوسطا أو مرتفعا من الحدة الخطابية، بما يعكس تصاعدا واضحا في مظاهر التطرف الرقمي تجاه المهاجرين.
وفي المقابل، أظهرت النتائج أن 65.1 %من المحتويات تتضمن معلومات خاطئة أو غير موثقة، الأمر الذي يؤكد، بحسب التقرير، أن التضليل الإعلامي أصبح أحد أهم المحركات التي تغذي الصور السلبية تجاه المهاجرين وتكرس الأحكام المسبقة ضدهم.
كما خلصت الدراسة إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع المحتويات الرقمية المتداولة داخل الفضاء المدروس يغلب عليها الطابع الاستقطابي، في مقابل حضور محدود للغاية للمضامين الإخبارية أو النقدية المبنية على المعطيات.
انتشار متسارع
من أبرز ما توصل إليه البارومتر أن المحتويات الأكثر تطرفا هي نفسها الأكثر قدرة على تحقيق الانتشار والتفاعل، حيث تسجل المنشورات التي تتضمن التحريض أو الوصم أو الدعوة إلى العنف معدلات أعلى بكثير من الإعجابات والمشاركات مقارنة بالمحتويات المعتدلة أو التفسيرية.
ويؤكد التقرير أن العامل الحاسم في هذا الانتشار لا يرتبط بمدى صحة المعلومات المنشورة بقدر ارتباطه بالشحنة العاطفية التي تحملها، إذ تبين أن الغضب والخوف والمحتويات ذات الطابع الانفعالي تحقق مستويات تفاعل تفوق بكثير المحتويات الهادئة أو المعتمدة على الوقائع، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور داخل المنصات الرقمية.
وتشير نتائج التحليل إلى وجود ارتباط قوي بين عدد الإعجابات وعدد المشاركات، بما يعكس آليات انتشار متسلسلة تتيح للمحتويات الأكثر إثارة أن تستحوذ على الجزء الأكبر من التفاعل الرقمي، في ظل بيئة رقمية تكافئ المحتويات المثيرة للانفعالات أكثر من تلك القائمة على التحقق أو التفسير.
روايات مهيمنة
على المستوى الموضوعاتي، يبرز التقرير أن قضايا الأمن والجريمة تستحوذ على ما يقارب 40 % من مجموع المحتويات، لتشكل الإطار السردي الأكثر حضوراً في تمثيل المهاجرين داخل الفضاء الرقمي محل الدراسة.
ويعتبر معدو البارومتر أن هذا التركيز المتكرر على الأمن يرسخ صورة المهاجر باعتباره تهديدا محتملا، وهو ما يسهم في بناء سردية قائمة على التخويف وإعادة إنتاج التصورات السلبية بصورة مستمرة، بينما تتراجع الموضوعات المرتبطة بالإدماج أو الحقوق أو المساهمات الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين إلى مراتب ثانوية.
وفي السياق نفسه، يوضح التقرير أن الغضب والخوف يشكلان العاطفتين الأكثر حضورا داخل المحتويات المدروسة، إلى جانب الدعوات إلى تدخل السلطة، وهي عناصر يرى معدو الدراسة أنها تؤدي دوراً محوريا في تعبئة الجمهور وتعزيز قابلية انتشار الخطابات المعادية للمهاجرين.
تحول نوعي
يؤكد الإصدار الثاني من البارومتر أن أخطر ما تم تسجيله لا يتمثل في ارتفاع حجم خطاب الكراهية فحسب، وإنما في انتقاله إلى مرحلة جديدة تتسم بظهور مجتمعات رقمية متخصصة في إنتاج السرديات المعادية للمهاجرين وإعادة نشرها بصورة متواصلة، وهو ما يمثل تحولا مقارنة بما رصده بارومتر الفصل الأول من سنة 2026.
ووفق التقرير، فإن هذه المجتمعات لم تعد تكتفي بتبادل منشورات متفرقة، بل أصبحت تشكل فضاءات رقمية متماسكة تتقاسم الروايات نفسها وتعززها بشكل متبادل، بما يقربها مما يعرف بـ”غرف الصدى”، حيث يعاد إنتاج الأفكار ذاتها بصورة مستمرة، ويتراجع حضور الآراء المخالفة أو الخطابات البديلة.
ويبرز التقرير أن المقارنة مع الإصدار السابق تشير إلى انتقال الظاهرة من مجرد تصاعد في الاستقطاب الرقمي إلى ما يشبه بنية منظمة لإنتاج خطاب الرفض، مع التحفظ المنهجي الذي يورده معدو الدراسة بشأن اختلاف طبيعة العينات بين الإصدارين، وهو ما يجعل المقارنة ذات طابع تحليلي أكثر منها إحصائياً.
خطابات هامشية
في المقابل، يكشف البارومتر أن الخطابات المضادة، القائمة على تصحيح المعلومات أو تقديم معطيات موثقة أو الدفاع عن النقاش المبني على الوقائع، لا تزال محدودة الحضور داخل الفضاء الرقمي المدروس، كما أنها تحقق مستويات تفاعل ضعيفة مقارنة بالمحتويات التحريضية.
ويرى التقرير أن هذا الواقع يفرض تطوير استراتيجيات جديدة لإنتاج خطابات بديلة تجمع بين الدقة العلمية والقدرة على الوصول إلى الجمهور، مع تعزيز التربية الإعلامية، وتشجيع التحقق من المعلومات، والعمل على إنتاج محتوى قادر على منافسة السرديات القائمة على الخوف والتضليل، بما يسهم في الحد من تطبيع خطاب الكراهية داخل الفضاء الرقمي.




تعليقات الزوار ( 0 )