يشكل قبول الجزائر الجلوس إلى طاولة المفاوضات بالسفارة الأمريكية في مدريد مؤخرا تطورا مهما في مسار قضية الصحراء. فهذا اللقاء لا يمثل فقط اعترافا عمليا بأنها طرف في النزاع، ولا مجرد إقرار بمضمون قرار مجلس الأمن رقم 2797 الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء إطارا للحل، بل يعكس أيضا تعاملا واقعيا مع تحولات القضية. غير أن السؤال الجوهري يظل قائما: هل يعكس هذا الموقف إرادة حقيقية للبحث عن حل متوافق عليه، أم أنه مجرد انحناء لعاصفة ترامب التي تخبط أحيانا خبط عشواء؟
إن عقد اللقاء بمدريد هو في حد ذاته إنجاز كبير بعد جمود مسار المفاوضات لما يربو على خمسة عشر عاما. لكن هل تدرك جيدا الإدارة الأمريكية الحالية حقيقة أزمة قضية الصحراء، أم أنها محكومة بثقل الملفات الشائكة والمتزاحمة على طاولة ترامب في البيت الأبيض، وطموحه الجامح ليأتي بما لم تأت به الأوائل، فيركز على النتيجة دون معالجة الأسباب الجوهرية.
قد يبدو للوهلة الأولى أن جوهر الأزمة بين البلدين يكمن في قضية الصحراء، بيد أن الواقع أكثر تعقيدا من هذا التبسيط. فالعلاقة بين الأزمة الثنائية وقضية الصحراء تذكرنا بالسؤال الفلسفي الشهير: أيهما أسبق، البيضة أم الدجاجة؟ فهل كانت قضية الصحراء هي الشرارة التي أشعلت هذا الخلاف المستحكم بين البلدين، أم أن الأزمة السياسية بينهما التي تعود جذورها إلى الشهور الأولى من مرحلة الاستقلال هي التي مهدت الطريق لانخراط الجزائر في النزاع حول الصحراء؟
هذا السؤال ليس أكاديميا ولا مجرد تمرين فكري، بل هو المفتاح العملي لأي وساطة دولية. فإذا أخطأت واشنطن في تحديد أيهما السبب وأيهما النتيجة، فإن جهودها ستظل معرضة للانتكاس في أي لحظة. إن وضع “العربة أمام الحصان”، أي التركيز على قضية الصحراء بمعزل عن الأزمة السياسية العميقة بين البلدين، يعني أن أي حل محتمل سيبقى معلقا بسقف عدم الثقة المتراكم منذ الاستقلال.
في واقع الأمر، تعد قضية الصحراء مجرد مظهر للنظام الإقليمي المغاربي، الذي اتسم في أغلب مراحله بثنائية قطبية بين المغرب والجزائر، غلب عليها التوجس وغياب الثقة المتبادلة. فقد ساد ردحا من الزمن أن قضية الصحراء هي ميراث الحرب الباردة، لكن انتهت الحرب الباردة، بينما ظلت قضية الصحراء مستعصية، لأن جذورها مغاربية بحتة، وليس نتاج تحولات النظام الدولي.
ولعل دعوات الملك محمد السادس المتواصلة للبحث عن آليات لإعادة الثقة بين البلدين، تفسر إدراك الدولة المغربية لهذا العائق الجوهري أمام تطوير العلاقات الثنائية. فبدون فك هذه العقدة، سيستعصي إيجاد حل مستدام لقضية الصحراء.
وعليه، تظل مفاوضات “المسار الواحد” التي تركز على قضية الصحراء بمعزل عن تطبيع العلاقات بين البلدين، مهما حققت من اختراقات جزئية، مهددة بالعودة إلى نقطة الصفر. ولذلك تبرز أهمية تعدد المسارات، إذ إن مفتاح الحل المستدام لا يكمن في صياغة قانونية للحكم الذاتي فحسب، بل في تذويب جليد عدم الثقة المتراكم عبر عقود من الزمن.
أستاذ العلاقات الدولية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس




اصل الداء هو العلاقة المتوثرة بين المغرب والجزائر وقد تنبهت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا المشكل لذا فهي تشتغل في اتجاهين : تحسين العلاقات بين البلدين عن طريق دبلوماسية مسعد بولس وكذا واجهة مجلس الامن والقرار 9727 ومحاولة فرض الحكم الذاتي على الاطراف الاخرى الجزائر والبوليزاريو .
اصل الداء هو العلاقة المتوثرة بين المغرب والجزائر وقد تنبهت الولايات المتحدة الأمريكية لهذا المشكل لذا فهي تشتغل في اتجاهين : تحسين العلاقات بين البلدين عن طريق دبلوماسية مسعد بولس وكذا واجهة مجلس الامن والقرار 9727 ومحاولة فرض الحكم الذاتي على الاطراف الاخرى الجزائر والبوليزاريو .