في ظل التحولات الإقليمية الراهنة، يجد المغرب الجار للجزائر نفسه في صدارة المشهد الإقليمي، فيما تواجه السياسة الإسبانية في شمال إفريقيا تحديات كبيرة تحد من هامش تحركها، وفق تقرير نشره مؤخرا معهد “إلكانو الملكي للشؤون الدولية” الإسباني.
التقرير، الذي حمل عنوان “إسبانيا في العالم 2026: آفاق وتحديات”، أكد أن موقف الحكومة الإسبانية بقيادة وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس، خصوصا بعد التغيير التاريخي في موقف إسبانيا من النزاع حول الصحراء الغربية المغربية، جعل مدريد عالقة بين المغرب والجزائر، في ظل توترات مستمرة بين الجارين المغاربيين.
ويشير المعهد إلى أن الاعتراف الدولي المتزايد بمقترح الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية عزز موقع المغرب الإقليمي، فيما تستمر العلاقات مع الجزائر في مرحلة توتر منذ أزمة 2022، ما يحد من قدرة إسبانيا على التأثير في شمال إفريقيا.
ووصف التقرير سياسة مدريد بأنها “إدارة مخاطر” أكثر منها سياسة استباقية، مع اعتمادها على نهج توازن براغماتي بين الرباط والجزائر، ولكنه ينوه بأن هذا التوازن يواجه انتقادات واسعة داخل البرلمان الإسباني، إذ طالبت جميع الأحزاب تقريبا، باستثناء الاشتراكيين، بمراجعة الموقف تجاه الجزائر.
ويشير التقرير إلى أن إسبانيا تحاول تجنب تصعيد التوترات مع المغرب، خاصة بعد الرد الجزائري على تحرك مدريد بشأن الصحراء الغربية المغربية.
ويؤكد أن الحكومة الإسبانية تركز حاليا على التعاون العملي مع المغرب في المجالات الاقتصادية والهجرة والأمن، مؤجلة أي نقاشات حول القضايا الإقليمية الحساسة.
كما أشار المعهد إلى أن مؤتمر القمة الأخير بين المغرب وإسبانيا حول التعاون الأمني والاقتصادي ركز على المواضيع العملية وتجنب النزاعات الإقليمية.
ووفقا للمعهد، الخطوة الإسبانية كانت محفوفة بالمخاطر: داخليا، أثارت جدلا واسعا بين المعارضة وشركاء الائتلاف، كما أن الجمهور الإسباني أظهر حساسيات قوية تجاه قضية الصحراء الغربية المغربية.
أما خارجيا، فقد أعطت هذه الخطوة المغرب فرصة لممارسة ضغوط متعددة على مدريد، من التحكم في تدفقات الهجرة إلى التأثير على الأمن الحدودي والاتفاقيات الثنائية.
ويشير التقرير إلى أن هذه السياسة لم تمنح إسبانيا أي دور تفاوضي حقيقي في النزاع بين المغرب وجبهة البوليساريو، حيث فقدت الخارجية الإسبانية أي تأثير منذ عام 2022، وأصبح دورها محصورا في مراقبة التطورات وإدارة العلاقات الثنائية بحذر.
ويضع التقرير احتمالين رئيسيين للعام 2026:السيناريو المتشائم: تفاقم التوترات الحدودية مع المغرب، واستمرار النزاع مع الجزائر، ما سيؤثر سلبا على استقرار الجوار الجنوبي لإسبانيا.
السيناريو المتفائل: تحسين العلاقات مع المغرب والجزائر، ما يوفر لإسبانيا هامشا محدودا لممارسة دور دبلوماسي أكثر فاعلية، والاستفادة من موقف المغرب المتعزز على الصعيد الدولي.
ويرى معهد إلكانو أن المصلحة الوطنية الإسبانية دفعت الحكومة إلى اعتماد نهج براغماتي يركز على الحد من التوترات وحماية مصالح مدريد الأساسية، لكنه يحذر من أن هذا النهج يترك إسبانيا محاصرة بين جارين متنافسين، ويحد من قدرتها على التأثير في القضايا الإقليمية الكبرى.
التقرير يؤكد أن مرور الوقت يصب في صالح المغرب، فيما ستظل السياسة الإسبانية قائمة على إدارة المخاطر دون إحداث تغييرات جوهرية في معادلات القوة في شمال إفريقيا، مع هشاشة الدور التفاوضي لوزارة الخارجية الإسبانية بقيادة ألباريس.




تعليقات الزوار ( 0 )