لا يمكن تناول النقاش الدائر حاليا حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة في المغرب، عقب المصادقة الحكومية عليه وإحالته إلى البرلمان بغرفتيه، بمعزل عن سياقه السوسيولوجي والسياسي العام. ففي محطات التحول التشريعي الكبرى، يتجاوز النقاش حول النصوص القانونية البعد التقني ليعكس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمهن الوسيطة التي تضطلع بأدوار دستورية لا تقتصر على الوظيفة الإجرائية، بل تمتد إلى أبعاد رمزية وأخلاقية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بإحدى المهن المرتبطة مباشرة بمنظومة العدالة.
وتقوم الدولة الحديثة على مبدأ احتكار العنف المشروع، غير أن هذا الاحتكار يظل مرتبطا بوجود آليات وقوى مجتمعية موازنة تسهم في إخضاع ممارسة السلطة لمنطق العقلنة القانونية.
وفي هذا الإطار، تُعد مهنة المحاماة مؤسسة اجتماعية فاعلة داخل حقل السلطة، حيث تتقاطع المصالح وتتفاعل الخطابات، ويساهم حضورها في إعادة إنتاج التوازن بين القانون بوصفه أداة للضبط، والقانون باعتباره وسيلة للحماية. ومن ثم، فإن أي تعديل يطال استقلال هذه المهنة لا يُقرأ فقط في بعده المهني، بل أيضا في علاقته بإعادة ترتيب مواقع القوة داخل المجتمع.
ولا يقتصر النقاش حول مشروع القانون المطروح على بعض مقتضياته التفصيلية، بل يمتد إلى الفلسفة العامة التي تحكمه، والتي ترى فئات من الجسم المهني أنها تميل إلى تعزيز منطق الضبط الإداري والوصاية المؤسساتية على حساب استقلالية المهنة.
ويطرح هذا التوجه إشكالية دور القانون ذاته، بين كونه أداة لتنظيم السلطة والحد منها، أو وسيلة من وسائل ممارستها، خاصة عندما تتأثر استقلالية المهن القانونية التي تضطلع بأدوار أساسية في حماية الحقوق والحريات.
وتتجاوز وظيفة المحاماة الدفاع الفردي داخل المحاكم لتؤدي دورا جماعيا في تعزيز الثقة في منظومة العدالة، باعتبار أن العدالة ليست مجرد قواعد إجرائية، بل تعبير عن تصور جماعي للإنصاف والمشروعية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تنظيم قانوني من شأنه التأثير على استقلال المحامي أو على شروط ممارسته لمهام الدفاع قد تكون له انعكاسات على العلاقة بين المجتمع ومؤسسة العدالة.
ويزداد هذا النقاش أهمية إذا ما تم وضعه في سياق سياسي أوسع يتسم بتحديات مرتبطة بآليات التشاور وصناعة القرار العمومي. فالتعبيرات الاحتجاجية التي شهدها القطاع، بما في ذلك الأشكال الاحتجاجية التي أعلنت عنها الهيئات المهنية، يمكن قراءتها باعتبارها مؤشرا على وجود توترات في مسار التفاعل بين الفاعلين المؤسساتيين والمهنيين، وهو ما يطرح سؤال إشراك المعنيين في صياغة القواعد القانونية المنظمة لمجالاتهم.
ومن الناحية الاجتماعية، يرتبط تنظيم مهنة المحاماة بشكل غير مباشر بحقوق الفئات الأكثر هشاشة، بالنظر إلى الدور الذي يلعبه المحامي في تمكين الأفراد من الولوج إلى العدالة ومواجهة المؤسسات ذات النفوذ القانوني والتنظيمي. ولذلك، فإن أي تغير في شروط ممارسة المهنة قد تكون له انعكاسات تتجاوز الإطار المهني إلى المجال الاجتماعي الأوسع.
كما يثير المشروع أبعادا سياسية رمزية، بالنظر إلى مكانة مهنة المحاماة ضمن المؤسسات الوسيطة التي تسهم في تأطير النقاش القانوني وتدبير الاختلاف داخل المجتمع، ومن ثمة يُنظر إلى استقلال هذه المؤسسات باعتباره أحد عناصر تفعيل مبادئ دولة الحق والقانون على المستوى العملي، وليس فقط في الخطاب المعياري.
وفي حال تمت المصادقة البرلمانية على المشروع بصيغته الحالية دون إدخال تعديلات جوهرية تستجيب لملاحظات الهيئات المهنية، فإن ذلك قد يشكل محطة تشريعية ذات أثر ممتد على دور الدفاع في الفضاء العام، وعلى مستوى الثقة في العدالة.
وتبرز، هنا والآن، أهمية التوازن بين متطلبات التنظيم والفعالية من جهة، وضمانات الاستقلال والحرية المهنية من جهة أخرى.
ولذلك فإن هذا الموضوع “الذي فيه يستفتيان” الطرفان يتجاوز النقاش القائم في إطار العلاقة بين الحكومة والمحامين، ليطرح سؤالا أوسع حول نموذج العدالة المراد تكريسه، وحول الكيفية التي تُصاغ بها القوانين المنظمة للسلطة القضائية ولمهن الدفاع، باعتبار أن استقلال هذه المكونات يشكل أحد مرتكزات تحقيق عدالة فعالة وقادرة على الاستجابة لانتظارات المجتمع.






تعليقات الزوار ( 0 )