تتجه منطقة المغرب الكبير نحو مرحلة دقيقة تتسم بتصاعد التوتر بين الجزائر والمغرب، في سياق إقليمي ودولي معقد تتداخل فيه رهانات الأمن والطاقة والهجرة، ما يرفع منسوب القلق بشأن احتمال انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مفتوحة قد تتجاوز حدود البلدين وتطال الضفة الشمالية للمتوسط.
وهذا التصعيد المتدرج لا يقتصر على الخلافات السياسية التقليدية، بل يمتد إلى مجالات استراتيجية حساسة، أبرزها التسلح والتحالفات الدولية وطرق إمدادات الطاقة.
ويستند هذا التقييم إلى تحليل صادر عن معهد “ستيمسون” الأمريكي المتخصص في قضايا الأمن والعلاقات الدولية، حيث يحذر من أن غياب مقاربة أوروبية موحدة يزيد من تعقيد الأزمة، ويضعف قدرة الاتحاد الأوروبي على لعب دور الوسيط الفاعل.
ويلفت التقرير إلى أن التعامل الأوروبي الحالي يتسم بالتشتت، في ظل تبني كل دولة لمقاربة تخدم مصالحها الثنائية، وهو ما يفتح المجال أمام مزيد من التصعيد بدل احتوائه.
وتكشف المؤشرات الميدانية والسياسية عن تصعيد يتخذ عدة مستويات متوازية. على الصعيد الدولي، تتجه الجزائر نحو تعزيز شراكاتها مع قوى أوراسية مثل روسيا والصين، في حين يعزز المغرب موقعه ضمن التحالفات الغربية، خاصة مع الولايات المتحدة وشركاء أوروبيين.
وأوضح معهد “ستيمسون”، أن هذا التباين في التموضع الاستراتيجي يعمق فجوة الثقة ويغذي منطق المواجهة غير المباشرة.
إقليميا، يظل ملف الصحراء محور التوتر الأساسي، حيث يتمسك المغرب بسيادته على الأقاليم الجنوبية، بينما تواصل الجزائر دعم جبهة البوليساريو. وهذا التباين لا يقف عند حدود المواقف السياسية، بل يتحول إلى عنصر مؤثر في صياغة السياسات الدفاعية والتحالفات الإقليمية.
وبحسب التقرير، فإن السباق العسكري بين البلدين يشكل أحد أخطر مظاهر التصعيد، إذ يصنفان ضمن أكبر مستوردي السلاح في إفريقيا.
وتعتمد الجزائر بشكل رئيسي على منظومات روسية متقدمة، بينما يطور المغرب ترسانته عبر شراكات مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل، مع تركيز متزايد على الطائرات المسيرة وأنظمة الصواريخ.
وهذا التوازن العسكري الهش يخلق ما يعرف في الدراسات الاستراتيجية بـ”معضلة الأمن”، حيث يسعى كل طرف لتعزيز قدراته الدفاعية، فيفسر ذلك من قبل الطرف الآخر كتهديد مباشر، ما يؤدي إلى دوامة تصعيد يصعب كسرها.
وبدأت انعكاسات هذا التوتر تظهر بوضوح على المصالح الأوروبية، خاصة في مجالي الطاقة والهجرة، وأحدث قرار الجزائر وقف العمل بأنبوب الغاز المغاربي-الأوروبي الذي يمر عبر المغرب ارتباكا في إمدادات الغاز نحو إسبانيا، وفرض على مدريد البحث عن بدائل أقل كفاءة.
كما أن التوتر السياسي ينعكس على ملفات الهجرة، حيث تتحول هذه الورقة إلى أداة ضغط غير مباشرة، ما يزيد من هشاشة السياسات الأوروبية في تدبير الحدود والتدفقات البشرية.
وذهب التقرير بالقول، إن الأزمة بين مدريد والرباط في السنوات الأخيرة، والتوترات مع الجزائر، تقدم نموذجا واضحا لكيفية تحول الخلافات الإقليمية إلى مصدر ضغط مباشر على العواصم الأوروبية.
وتساهم القطيعة الاقتصادية بين البلدين في تعميق الأزمة، حيث تعرف المبادلات التجارية شبه جمود، في ظل شلل اتحاد المغرب العربي وغياب مشاريع تكامل إقليمي. وهذا الوضع يلغي أحد أهم عوامل التهدئة، والمتمثل في المصالح الاقتصادية المشتركة.
كما أن توقف التعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية يزيد من كلفة التوتر على الطرفين، ويغلق الباب أمام فرص التنمية المشتركة التي كان يمكن أن تلعب دورا في تخفيف الاحتقان.
ويطرح التقرير ضرورة تبني الاتحاد الأوروبي لاستراتيجية قائمة على “الحياد الفعال”، ترتكز على مبدأ التوازن في العلاقات مع الطرفين، مع الدفع نحو بناء الثقة وتشجيع مشاريع مشتركة تعيد ربط المصالح الاقتصادية.
وهذا التوجه، بحسب المصدر ذاته، يتطلب تنسيقا داخليا أكبر داخل الاتحاد الأوروبي، إلى جانب آليات دبلوماسية مرنة، قادرة على احتواء التوتر دون الانحياز لأي طرف، مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية الأوروبية في المنطقة.
كما يقترح دعم مشاريع طاقية مشتركة وربط اقتصادي إقليمي، بما يسهم في خلق ترابط مصالح يجعل كلفة التصعيد أعلى من كلفة التعاون.
ويعكس المشهد الحالي في المغرب الكبير انتقالا تدريجيا من منطق التنافس السياسي إلى منطق الصراع الاستراتيجي المفتوح، في ظل تراجع قنوات الحوار وتزايد رهانات القوة.
ويخلص التقرير الأمريكي، إلى أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت المنطقة ستتجه نحو مزيد من التصعيد، أو نحو إعادة بناء توازنات جديدة قائمة على المصالح المشتركة.
وأشار إلى أنه وفي ظل المعطيات الحالية، يبقى الاحتمالان قائمين، بينما تظل كلفة الانزلاق نحو المواجهة مرتفعة على جميع الأطراف، إقليميا ودوليا.



تعليقات الزوار ( 0 )