نظم ماستر التواصل السياسي بالمعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط، مساء يوم الإثنين 12 يناير الجاري، لقاءً علميًا خصص لموضوع “السيميولوجيا والتواصل السياسي في تاريخ المغرب: الأعلام والرايات بوصفها رموزًا للسلطة”، أطره الدكتور نبيل مُلين، الباحث المتخصص في التاريخ والعلوم السياسية.

وافتُتح اللقاء بكلمة ترحيبية للدكتور محمد عبد الوهاب العلالي، أستاذ التواصل السياسي، الذي أبرز أهمية الموضوع المطروح لما يحمله من قيمة معرفية عالية، لكونه يلتقي عند تقاطع عدة مجالات معرفية، من بينها التاريخ والسيميولوجيا والتواصل السياسي وعلوم الاجتماع. كما نوّه بالمساهمات العلمية الرصينة للدكتور نبيل مُلين في الحقل الثقافي والفكري المغربي. بعد ذلك، تناول الكلمة الأستاذ محسن ابن زاكور، المدير المساعد المكلف بالشؤون البيداغوجية والبحث العلمي بالمعهد، حيث أكد في كلمته باسم المؤسسة على أهمية هذا اللقاء في تمكين طلبة الماستر من فهم آليات بناء الشرعية السياسية والتأثير الرمزي في المجال العام.
وفي مداخلة امتدت لما يقارب ساعة ونصف، شدد الدكتور نبيل مُلين على أن الأعلام والرايات ليست عناصر ثانوية أو مجرد مظاهر احتفالية، بل تشكل أدوات مركزية لإنتاج المعنى وتنظيم الفضاء الاجتماعي وبناء الشرعية وتوجيه السلوك الجماعي. وأوضح أن الإنسان لا يعيش فقط في عالم الوقائع المادية، بل يعيش أساسًا في عالم من العلامات والرموز، وهو ما يجعل السيميولوجيا مدخلًا أساسيا لفهم التاريخ السياسي.
ومن منظور سيميولوجي، حلل الدكتور مُلين دلالات العلم باعتباره علامة مركبة تختزل شبكة كثيفة من المعاني السياسية والدينية والاجتماعية، وتواكب التحولات الثقافية والسياسية للمجتمع. فالعلم، بحسبه، لا يكتفي بتمثيل السلطة، بل يحدد مركزها، ويعلن تعاليمها، ويرسم حدود المجال الذي تُمارَس فيه السيادة السياسية أو الدينية، أو الاثنتان معًا. وهو ما يفسر الحضور الكوني للأعلام والرايات في مختلف الحضارات، على اختلاف أشكالها وألوانها، مع وحدة وظيفتها الرمزية عبر التاريخ.
وتوقف الباحث عند دلالات الألوان في التجربة الإسلامية، مستعرضًا أسباب اختيار الممالك والإمبراطوريات لألوان معينة في أعلامها، بدءًا من العصر العباسي الذي ارتبط باللون الأسود كرمز لشرعية الخلافة، مرورًا بالخوارج الذين عُرفوا بالمُحَمِّرة لاعتمادهم اللون الأحمر، ثم الأمويين والفاطميين في شمال إفريقيا ومصر الذين اتخذوا اللون الأبيض رمزا لهم، وصولًا إلى الشيعة الزيدية في اليمن وبلاد فارس المرتبطين باللون الأخضر.

وفي ما يخص التاريخ المغربي، أبرز الدكتور مُلين تعاقب الألوان والرموز على الأعلام، منذ مرحلة ما قبل الدولتين المرابطية والموحدية، حيث كانت الرايات ذات وظائف قبلية أو عسكرية، وصولا إلى القرن السابع عشر الذي شهد اعتماد الزوايا الصوفية للون الأخضر كرمز ديني.
كما سلط المحاضر الضوء على الفترة الممتدة بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر، حيث اعتمد ملوك المغرب اللون الأحمر دلالة على السلطة السياسية، إلى جانب اللون الأخضر الذي يحيل على السيادة الدينية. ومع فرض نظام الحماية في القرن العشرين، تم الحفاظ على اللون الأحمر في العلم المغربي، مع إضافة النجمة الخماسية الخضراء كرمز جامع للدولة المغربية الحديثة.
وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور محمد نبيل مُلين حاصل على دكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون، ودكتوراه في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية بباريس، ويعمل باحثًا بالمركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي، كما صدر له عدد من الكتب والدراسات والأعمال الوثائقية.
طالب ماستر التواصل السياسي




تعليقات الزوار ( 0 )