ليست كل الإنجازات الرياضية قادرة على أن تتحول إلى حدث وطني، وليست كل المغامرات الفردية تنجح في أن تلامس الوجدان الجماعي لشعب بأكمله
وتجاوز ما حققته المتسلقة المغربية نوال صفنضلة حدود الإنجاز الرياضي الخالص، بعدما نجحت في تسلق قمتي إيفريست ولوتسي، أعلى وأصعب القمم الجبلية في العالم، خلال رحلة واحدة وضعتها في مصاف أبرز الأسماء التي بصمت على حضور استثنائي للمرأة المغربية في الرياضات الأكثر تحدياً.
وحظي هذا الإنجاز العالمي بتقدير ملكي سام، حيث بعث الملك محمد السادس برقية تهنئة إلى البطلة المغربية، مشيدا بما أبانت عنه من عزيمة وإصرار وروح تحد، قبل أن تحظى باستقبال ملكي وتوشيحها بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط، في اعتراف رسمي بمسار رياضي استثنائي وبما يحمله من دلالات تتجاوز حدود الرياضة نحو ترسيخ قيم الطموح والاجتهاد وتمثيل المغرب في أرقى المحافل الدولية.
في هذا الحوار مع جريدة “الشعاع الجديد”، تتحدث نوال صفنضلة عن كواليس الرحلة التي قادتها إلى سقف العالم، وعن اللحظات الفاصلة التي اختبرت فيها حدود القدرة البشرية وسط الثلوج ونقص الأوكسجين.
كما تستعيد تفاصيل التكريم الملكي الذي شكل محطة فارقة في مسيرتها، وتكشف رؤيتها لمكانة المرأة المغربية في الرياضات الصعبة، وطموحاتها المقبلة لمواصلة كتابة فصول جديدة من التميز المغربي على القمم العالمية.
كيف عشتِ لحظة الاستقبال الملكي من طرف جلالة الملك محمد السادس بعد إنجازك العالمي؟
كانت لحظة استثنائية ومؤثرة للغاية. بعد العودة من جبال الهيمالايا وتحقيق هذا الإنجاز، تلقيت رسالة تهنئة وتشجيع من جلالة الملك محمد السادس، ثم حظيت بشرف الاستقبال والتوشيح بالقصر الملكي.
شعرت بفخر كبير وامتنان عميق، لأن هذا التكريم لا يخصني وحدي، بل يخص أيضا كل الشباب المغربي وكل النساء المغربيات اللواتي يؤمنّ بأحلامهن ويسعين لتحقيقها رغم الصعوبات.
ماذا يمثل لكِ التوشيح بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط؟
يمثل لي هذا الوسام شرفاً عظيماً ومسؤولية أكبر. هو اعتراف بمسار سنوات من العمل والتضحيات والإصرار، لكنه أيضاً دافع لمواصلة تمثيل المغرب بأفضل صورة داخل الوطن وخارجه. أشعر اليوم بمسؤولية أكبر تجاه الشباب المغربي والنساء المغربيات، لأن هذا التكريم يؤكد أن العمل الجاد والمثابرة يمكن أن يقودا إلى نتائج استثنائية.
ما أبرز المشاعر التي رافقتك داخل القصر الملكي أثناء هذا التكريم؟
شعرت بمزيج من الفرح والفخر والتأثر. استحضرت في تلك اللحظة كل التحديات التي واجهتها منذ بداية هذا المشروع، وكل المراحل الصعبة التي مررت بها للوصول إلى أعلى قمم العالم. كان شعوراً جميلاً أن أرى هذا المسار يُتوَّج بهذا التكريم السامي، وشعرت أيضاً بأن هذا التقدير يمنحني طاقة إضافية لمواصلة رفع راية المغرب عالياً في المحافل الدولية.
كيف جاءت فكرة تسلق قمتي إيفيريست ولوتسي دفعة واحدة، وما أصعب تحدٍ واجهك خلال هذه الرحلة؟
بالنسبة لي، كان إيفيريست قبل كل شيء حلماً شخصياً رافقني لسنوات طويلة، وقمة كنت أتطلع إلى بلوغها منذ بداية مسيرتي في تسلق الجبال.
أما لوتسي، فكانت تمثل الجانب الرياضي والتقني من التحدي، لأنها أضافت مستوى أعلى من الصعوبة وجعلت المشروع أكثر طموحاً.
فكرة تسلق القمتين في دفعة واحدة جاءت من الرغبة في تحقيق إنجاز غير مسبوق بالنسبة للمغرب، عبر الصعود إلى أعلى قمة في العالم ثم إلى قمة لوتسي التي تتجاوز 8500 متر دون العودة إلى المخيم الأساسي.
التحدي الأكبر كان الإرهاق الشديد في منطقة الموت فوق 8000 متر، حيث يصبح كل تحرك مجهوداً هائلاً، إضافة إلى الظروف الجوية القاسية ونقص الأوكسجين.
في تلك الظروف القاسية، كيف تمكنتِ من تجاوز الخوف والإرهاق للوصول إلى القمة؟
الجانب الذهني كان حاسماً. كنت أستحضر دائماً سبب وجودي هناك، وأتذكر سنوات التحضير والتضحيات التي أوصلتني إلى تلك اللحظة.
كما كان إيماني بالله مصدر قوة كبير بالنسبة لي. عندما يصل الإنسان إلى أقصى حدوده الجسدية، يصبح الصبر والإيمان والعزيمة عناصر أساسية للاستمرار وعدم الاستسلام.
إلى أي حد شكّل رفع العلم المغربي فوق القمم العالية دافعاً لكِ خلال هذا الإنجاز؟
كان من أكبر مصادر الدافع بالنسبة لي. في أصعب اللحظات كنت أتذكر أنني لا أمثل نفسي فقط، بل أمثل بلدي أيضاً. رؤية العلم المغربي يرفرف فوق أعلى نقطة في العالم كانت لحظة مؤثرة جداً، وشعرت بفخر كبير لأنني استطعت أن أرفع راية المغرب في مكان لا يصل إليه إلا عدد قليل جداً من الأشخاص في العالم.
ماذا تعني لكِ هذه التجربة على المستوى الإنساني والرياضي؟
رياضياً، تمثل تتويجاً لسنوات من التدريب والعمل والانضباط. أما إنسانياً، فقد علمتني الكثير عن الصبر والتواضع وقوة الإرادة.
هذه التجربة أكدت لي أن أكبر الجبال التي نواجهها ليست دائماً أمامنا، بل غالباً ما تكون داخلنا، وأن الإنسان قادر على تجاوز ما يعتقد أنه مستحيل عندما يؤمن بنفسه وبهدفه.
كيف تنظرين إلى مكانة المرأة المغربية في الرياضات الصعبة مثل تسلق الجبال؟
المرأة المغربية أثبتت في مختلف المجالات أنها قادرة على النجاح والتفوق عندما تتوفر لها الفرصة. أؤمن بأن لدينا نماذج نسائية ملهمة في الرياضة والعلم وريادة الأعمال وغيرها، وما نحتاجه أكثر هو تشجيع الفتيات على الثقة في قدراتهن وعدم الخوف من خوض تجارب جديدة أو اختيار مسارات مختلفة عن المألوف.
ما الرسالة التي تودين إيصالها للشباب المغربي من خلال تجربتك؟
رسالتي للشباب المغربي هي ألا يسمحوا للظروف أو للشكوك بأن تحدد سقف أحلامهم. الطريق نحو النجاح ليس سهلاً، وقد يتطلب سنوات من العمل والتضحيات والصبر، لكن لا يوجد حلم أكبر من الإرادة.
إذا كان لدي هدف أود أن أتركه من خلال هذه التجربة، فهو أن يؤمن كل شاب وكل شابة بأن المستحيل ليس حقيقة، بل مجرد رأي يمكن تجاوزه بالعمل والإصرار.
ما هي تحدياتك أو طموحاتك المستقبلية بعد هذا الإنجاز العالمي؟
هذا الإنجاز ليس نهاية الطريق، بل محطة مهمة في مسيرتي. من بين أهدافي المقبلة إكمال مشروع القمم القارية السبع عبر تسلق قمة فينسون في القارة القطبية الجنوبية، لأصبح أول امرأة مغربية تكمل هذا المشروع.
كما أطمح إلى مواصلة مشاركة تجربتي مع الشباب المغربي من خلال المحاضرات والمبادرات التحفيزية، والمساهمة في نشر ثقافة الطموح وتجاوز الذات والإيمان بالقدرات الشخصية


تعليقات الزوار ( 0 )