نشرت صحيفة “بوليتيكو أوروبا“ (Politico Europe) تقريرًا تحليليًا بعنوان: “لصداقة بوتين حدود.. كما اكتشفت إيران للتو”، سلط الضوء على ما اعتبرته حدود الدعم الروسي لحلفائه عند لحظات الاختبار الحاسمة، حيث يتناول الكيفية التي اكتشف من خلالها القادة في دمشق وكاراكاس (عاصمة فنزويلا (، والآن طهران، أن الرهان على موسكو لا يعني بالضرورة تدخلاً حاسمًا عندما تتعرض أنظمتهم لضربات كبرى.
ويضع المقال الحالة الإيرانية ضمن سياق أوسع، يقارن بين خطاب الكرملين حول “العالم متعدد الأقطاب” وبين سلوكه العملي على الأرض، حيث تبدو الاستجابة الروسية، في نظر الصحيفة، أقل من سقف التوقعات الذي ترسمه التصريحات السياسية.
-لحظة الاختبار
يبدأ التقرير بوصف مشهد بالغ الدلالة: بينما كانت طهران تتعرض لضربات أمريكية وإسرائيلية مكثفة، سارع وزير خارجيتها إلى الاتصال بنظيره الروسي سيرغي لافروف، وغير أن البيان الروسي الرسمي اكتفى بإبداء التعاطف وتقديم دعم لفظي، دون أي إشارة إلى تحرك ميداني مباشر.
وترى الصحيفة أن هذا الموقف لا يمثل استثناءً، بل يندرج ضمن نمط متكرر في السلوك الروسي منذ اندلاع الحرب الشاملة في أوكرانيا قبل أربع سنوات.
وموسكو التي تقدم نفسها كحاملة لواء التوازن الدولي في مواجهة الهيمنة الغربية، تتصرف بقدر كبير من البراغماتية حين يتعلق الأمر بالانخراط العسكري دفاعًا عن شركائها.
-دروس دمشق
تستحضر الصحيفة تجربة الرئيس السوري بشار الأسد، الذي اعتمد لسنوات على الدعم الروسي لضمان بقاء نظامه، ورغم التدخل العسكري الروسي الحاسم في مراحل سابقة من النزاع السوري، تشير القراءة إلى أن موسكو لم تمنح ضمانة مطلقة لبقاء النظام في جميع الظروف، خصوصًا مع تغير موازين القوى وتزايد الضغوط الإقليمية والدولية.
وبحسب التحليل، فإن تجربة دمشق أبرزت أن الدعم الروسي محكوم بحسابات الكلفة والعائد، وأن الكرملين مستعد لإعادة تموضعه إذا ما أصبحت الكلفة الاستراتيجية مرتفعة أو إذا تعارض التدخل مع أولوياته الكبرى.
-كاراكاس والرهان الخاسر
الحالة الفنزويلية تمثل، في نظر التقرير، مثالا آخر على حدود الالتزام الروسي، فالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، الذي نسج علاقات وثيقة مع موسكو في مواجهة الضغوط الأميركية، وجد نفسه في عزلة متزايدة مع اشتداد الأزمات السياسية والاقتصادية في بلاده.
وتشير الصحيفة إلى أن موسكو اكتفت بالدعم السياسي والاقتصادي المحدود، دون أن تتحول إلى مظلة حماية شاملة، وهو ما يعكس مرة أخرى، أن الشراكة مع روسيا لا تعني تحالفًا دفاعيًا مفتوحًا بلا قيود.
-طهران والمفاجأة
في الحالة الإيرانية، بدا المشهد أكثر حساسية، فبعد تصعيد عسكري كبير، أعلنت واشنطن عن مقتل المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي خلال هذا الهجوم.
وترى الصحيفة أن إيران كانت قد تلقت مؤشرات سابقة على حدود الدعم الروسي، لا سيما خلال حرب استمرت اثني عشر يومًا في صيف العام الماضي، شهدت استهداف مواقع نووية إيرانية بضربات واسعة، ويومها أيضًا، اكتفت موسكو بإدانة لفظية دون تحرك عسكري.
-دعم رمزي
رغم ذلك، لم تنقطع أشكال التعاون بين موسكو وطهران، فقد تحدثت تقارير عن تزويد إيران بمعدات عسكرية متطورة، كما طرحت موسكو نفسها وسيطًا بين واشنطن وطهران، مقترحة تخزين اليورانيوم المخصب على أراضيها.
كما أُجريت مناورات بحرية مشتركة في خليج عمان، وأُعلن عن تدريبات إضافية بمشاركة الصين في مضيق هرمز، إلا أن هذه التحركات بقيت بحسب الصحيفة، في إطار رمزي أو استعراضي، دون أن ترقى إلى مستوى التزام عسكري مباشر عند اندلاع الأزمة الأخيرة.
وتشير القراءة إلى أن معاهدة الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين موسكو وطهران في أبريل 2025 لم تتضمن بند دفاع مشترك، حيث شدد نائب وزير الخارجية الروسي أندريه رودينكو حينها على أن الاتفاق لا يعني إقامة تحالف عسكري أو التزامًا بالمساعدة العسكرية المتبادلة.
خطاب وممارسة
التناقض بين الخطاب الروسي الداعي إلى إنهاء الهيمنة الأميركية، وبين امتناعه عن التدخل العسكري لحماية حلفائه، يمثل جوهر الإشكال الذي تطرحه الصحيفة.
والرئيس الروسي فلاديمير بوتين كان قد دافع في يونيو 2025، خلال منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي، عن موقف “محايد” تجاه التصعيد الأميركي-الإسرائيلي ضد إيران، مشيرًا إلى وجود ملايين الناطقين بالروسية في إسرائيل، في إشارة إلى تعقيد الحسابات الروسية.
ومن هنا، ترى الصحيفة أن الكرملين يوازن بين خطاب المواجهة الرمزي مع الغرب، وبين واقعية سياسية تجنبه الانجرار إلى حروب جديدة قد تستنزف قدراته.
-حسابات الكرملين
تعتبر الصحيفة أن امتناع موسكو عن التدخل عسكريًا في إيران قد يلحق ضررًا بصورتها لدى بعض الحلفاء، لكنه قد يمنحها أيضًا فرصة لإعادة صياغة روايتها السياسية.
وموسكو قد تسعى إلى تسليط الضوء على ما تعتبره إخفاقًا غربيًا في احترام القواعد الدولية، لتعزيز سرديتها حول ازدواجية المعايير.
كما أن هذا التطور قد يدفع الكرملين إلى التشدد أكثر في ملف أوكرانيا، عبر تقديم ما جرى في طهران كدليل إضافي على صحة موقفه من “الخطر الغربي”، وفق تعبير المحلل السياسي الروسي فلاديمير باستوخوف.
وسارع نائب رئيس مجلس الأمن الروسي والرئيس الأسبق دميتري ميدفيديف إلى انتقاد واشنطن، معتبرًا أن مسار المفاوضات مع إيران كان “غطاءً” فقط.
وذهب المستشار في السياسة الخارجية الروسية فيودور لوكيانوف إلى القول إن الدبلوماسية مع ترامب باتت “عديمة الجدوى”.
-رسالة للحلفاء
تشير الصحيفة إلى أن الرسالة التي قد تبقى في أذهان حلفاء موسكو ليست خطابها الناري ضد الهيمنة الأميركية، بل حدود قدرتها أو رغبتها في التدخل العسكري المباشر.
ولفتت “بوليتيكو أوروبا” إلى أن صداقة الكرملين، كما توحي الحالات الثلاث، ترتبط بمصالح دقيقة وحسابات براغماتية، لا بشعارات أيديولوجية.
وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه التقرير ضمنيًا: هل نحن أمام إعادة تعريف لدور روسيا في النظام الدولي، بوصفها قوة داعمة سياسيًا لا عسكريًا أم أن هذه الوقائع تكشف ببساطة أن النفوذ الروسي، مهما بدا صلبًا في الخطاب، يبقى محكومًا بحدود الواقع الاستراتيجي؟




تعليقات الزوار ( 0 )