تكشف شهادات صادمة أدلى بها لاجئون ماليون لوكالة “أسوشيتد برس” عن موجة جديدة من العنف المنهجي الذي يُتهم بتنفيذه عناصر “فيلق أفريقيا”، القوة العسكرية الروسية التي حلت محل مجموعة “فاغنر” قبل أشهر، بالتعاون مع الجيش المالي، في مناطق شاسعة خارجة إلى حد كبير عن سلطة القانون.
يقول أحد زعماء القرى، الذي فرّ من منطقته: “إنها سياسة الأرض المحروقة. الجنود لا يتحدثون إلى أحد. يطلقون النار على أي شخص يرونه. لا أسئلة ولا تحذير”.
ويضيف أن السكان لا يدركون حتى سبب استهدافهم، في ظل غياب أي قواعد أو ضوابط تحكم العمليات العسكرية.
تحوّلت منطقة الساحل في غرب أفريقيا إلى أكثر مناطق العالم دموية من حيث نشاط الجماعات المتطرفة، ما دفع الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى ترك التحالفات الغربية والارتماء في أحضان موسكو طلباً للدعم.
عندما حَلّ “فيلق أفريقيا” محل فاغنر قبل ستة أشهر، اعتقد السكان أن صفحة العنف المفرط قد تُطوى. لكن شهادات اللاجئين تكشف عكس ذلك. يقول أحدهم: “إنهم نفس الرجال. يتقاضون رواتب من الحكومة، ويواصلون المجازر. لا فرق بين فاغنر وفيلق أفريقيا”.
رغم نفي السلطات المالية وجود هاتين القوتين على أراضيها، تتحدث وسائل إعلام روسية رسمية أخيراً عن عمليات لـ“فيلق أفريقيا” في مالي، باعتباره قوة تحارب “الإرهاب” بطلب من باماكو.
ومن بين الشهادات البارزة، قصة موجالوا، وهي راعية من شمال مالي كانت تُعدّ الشاي عندما داهمتها سيارات تقل رجالاً بيض ملثمين، يصرخون بلهجة روسية ويُكثرون من كلمة “بيس” التي تعني “كلب”.
خلال دقائق، وبحضور جنود ماليين، ذبح هؤلاء ابنها كوبادي البالغ 20 عاماً أمام عينيها.
لم تتوقف المأساة هنا. لاحقوها مجددا في أكتوبر الماضي، سرقوا ممتلكاتها، وخطفوا ابنتها الكبرى فاطمة. ومنذ ذلك الحين، اختفت آثارها.
من أصل 34 لاجئاً قابلتهم وكالة “أسوشيتد برس” على الحدود الموريتانية، وصف العديدون مشاهد قتل عشوائي، واغتصاب، وقرى أُحرقت بالكامل على يد “الرجال البيض”.
بعض اللاجئين عرضوا مقاطع فيديو تُظهر آثار الدمار، فيما تحدث آخرون عن جثث قُطعت منها أعضاء داخلية، وهي ممارسات سبق ربطها بفاغنر سابقاً.
يُضاف إلى ذلك انعدام وسائل التوثيق المستقلة، بعد انسحاب بعثة الأمم المتحدة من مالي وخروج البلاد من المحكمة الجنائية الدولية، ما جعل تحديد المسؤولين عن الانتهاكات أكثر تعقيداً.
يصف الباحث هيني نسايبيا الوضع قائلاً إن المدنيين أصبحوا محاصرين بين ثلاث قوى:
الجماعات المتطرفة مثل “نصرة الإسلام والمسلمين”، الجيش المالي، و“فيلق أفريقيا”.
إذا بقوا في قراهم، يتعرضون للعقاب من الجماعات المتطرفة. وإن فرّوا، يُشتبه في تعاونهم مع الإرهابيين.
في قرية ليري، أحصى لاجئ يُدعى بوكار أسماء 214 شخصاً قتلوا أو اختُطفوا خلال عام واحد. يقول: “تغيّر الاسم فقط. الأساليب بقيت نفسها، بل أصبحت أسوأ. لذلك غادرنا الوطن مرة أخرى”.
وفي قرية كورماري، روت فاطمة كيف اقتحم “الرجال البيض” المنازل ونهبوا الحُلي وقتلوا الرجال. تعرضت لاعتداء لم ترغب في كشف تفاصيله، مكتفية بالقول: “هذا يبقى بيني وبين الله”.
تجمع الشهادات على حقيقة واحدة: العنف لم يتراجع برحيل فاغنر، بل اتخذ اسما جديدا.
وبينما تنسحب الجهات الدولية من متابعة الوضع في مالي، تزداد قبضة الخوف على السكان، ويظل آلاف اللاجئين يحملون قصصا لا تنتهي من الألم والفقدان، في منطقة تتآكلها الحروب والإفلات من العقاب.




تعليقات الزوار ( 0 )