تشهد سياسات الهجرة بالمغرب تحولات متسارعة في ظل ضغوط إقليمية ودولية متزايدة، غير أن جزءًا مهمًا من هذه التحولات يجري بعيدًا عن الأضواء، خاصة ما يتعلق بعمليات الإبعاد الداخلي للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء؛ إذ بينما تبدو هذه الممارسات محدودة الحضور في النقاش العمومي، فإنها تكتسب، وفق ورقة تحليلية حديثة، طابعًا بنيويًا داخل منظومة تدبير الهجرة، بما يطرح تساؤلات حول طبيعتها، وفعاليتها، وانعكاساتها الاجتماعية والسياسية.
وفي هذا السياق، تكشف الورقة التي أنجزها الباحث حسن بنطالب أن هذه العمليات لا تندرج فقط ضمن مقاربة أمنية ظرفية، بل تعكس نمطًا متكاملاً لإدارة التنقلات البشرية، قائمًا على إعادة توزيع المهاجرين جغرافيًا، وتقليص تمركزهم في نقاط العبور الحساسة، مع ما يرافق ذلك من آثار غير مباشرة على مساراتهم الاجتماعية والمعيشية.
❖ سياسة خفية
تبرز المعطيات أن الإبعاد الداخلي للمهاجرين أصبح أداة مركزية، وإن كانت غير معلنة بشكل صريح ضمن السياسات العمومية، حيث إن هذه العمليات لا توثق بشكل منهجي، ولا تحظى بتأطير قانوني واضح في الخطاب الرسمي، ما يجعلها تتحرك داخل “منطقة رمادية” بين التدبير الإداري والممارسة الميدانية.
ويؤدي هذا الغموض إلى إضعاف النقاش العمومي حول الهجرة، إذ يصعب تقييم هذه السياسات أو مساءلتها في غياب معطيات دقيقة، الأمر الذي يفتح المجال أمام التأويلات والتقديرات غير المستندة إلى أسس واضحة.
❖ منطق التفريق
تشير الورقة إلى أن هذه السياسة تقوم ضمنيًا على منطق “التفريق الجغرافي”، حيث يتم توقيف المهاجرين في مناطق معينة، خصوصًا في الشمال أو على طول المسارات التقليدية للهجرة، ثم إعادة توزيعهم نحو مدن داخلية.
ويهدف هذا التوجه، بحسب التحليل، إلى تقليص الضغط في نقاط العبور دون اللجوء إلى الترحيل الخارجي، غير أنه يؤدي عمليًا إلى تعطيل استقرار المهاجرين وإعادة إدماجهم، ويحول مساراتهم إلى حركية قسرية ومتكررة، بدل أن تكون انتقالًا منظّمًا أو اختيارًا فرديًا.
❖ آثار اجتماعية
لا تقتصر نتائج هذه الممارسات على الجانب الجغرافي، بل تمتد إلى الأوضاع الاجتماعية للمهاجرين، حيث تسجل حالات متزايدة من الهشاشة، وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية، نتيجة التنقل المتكرر وفقدان الاستقرار.
كما أن هذه الدينامية تساهم في نقل التوترات من منطقة إلى أخرى بدل معالجتها، ما قد ينعكس على التوازنات المحلية داخل المدن المستقبلة، ويضع المهاجرين والسكان في وضعيات احتكاك غير مؤطرة.
❖ إعلام منحاز
على مستوى التناول الإعلامي، يكشف التحليل عن اختلال واضح في طريقة معالجة هذه الظاهرة، حيث تهيمن المقاربة الأمنية على الخطاب الإعلامي، مع تركيز على التدخلات الميدانية والتوترات المحلية، مقابل غياب شبه تام للأبعاد الاجتماعية والإنسانية.
كما يلاحظ ضعف في التفسير والتحليل، إذ نادرًا ما يتم ربط هذه الممارسات بالإطار العام لسياسات الهجرة، أو مناقشة مشروعيتها القانونية ونجاعتها، ما يؤدي إلى إنتاج صورة مجتزأة تعيق الفهم الشامل للظاهرة.
❖ فجوة معلومات
يعد غياب المعطيات العمومية الدقيقة أحد أبرز الإشكالات التي ترصدها الورقة، حيث لا تتوفر بيانات رسمية كافية حول حجم هذه العمليات أو طبيعتها أو أهدافها، وهو ما يعمق أزمة الشفافية.
وتسهم هذه الفجوة في خلق بيئة خصبة للإشاعات والمعلومات المضللة، خاصة في الفضاء الرقمي، حيث يسهل توظيف الغموض لترويج سرديات مبسطة أو متطرفة حول الهجرة.
❖ مخاطر متصاعدة
تحذر الورقة من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تصاعد الخطابات العدائية تجاه المهاجرين، مستفيدة من غياب خطاب مؤسساتي واضح يشرح طبيعة السياسات المعتمدة.
كما أن ضعف الشفافية قد ينعكس سلبًا على ثقة المواطنين في المؤسسات، ويغذي نزعات التشكيك، فيتحول النقاش حول الهجرة من قضية اجتماعية مركبة إلى ساحة استقطاب حاد بين مواقف متناقضة.
ومن بين المخاطر أيضًا، إمكانية تفاقم التوترات المحلية نتيجة إعادة توزيع المهاجرين دون مواكبة اجتماعية أو تواصلية، ما قد يؤدي إلى احتكاكات داخل بعض المدن، ويزيد من هشاشة العلاقات بين مختلف الفاعلين.
❖ رؤية تحليلية
تشير الورقة إلى أن ما يحدث لا يمكن فهمه فقط كإجراء أمني، بل كآلية “حكامة عبر الإخفاء”، تقوم على ثلاثة عناصر أساسية؛ تفريق المهاجرين، واستنزاف مساراتهم، وتقليص ظهورهم في الفضاء العمومي.
ورغم أن هذا النموذج قد يحقق نوعًا من التحكم قصير المدى، إلا أنه يظل هشًا على المدى البعيد، نظرًا لارتباطه بغياب الشفافية وضعف التأطير المؤسساتي.
وتدعو الورقة إلى ضرورة تعزيز الشفافية عبر نشر معطيات دقيقة، وتوضيح الأطر القانونية المؤطرة لهذه العمليات، بما يحد من التأويلات ويعزز الثقة.
كما توصي بإعادة هيكلة الخطاب العمومي حول الهجرة، عبر تقديم سردية واضحة قائمة على المعطيات، مع إشراك وسائل الإعلام في إنتاج محتوى تفسيري وتحليلي يواكب تعقيد الظاهرة.
وتؤكد كذلك على أهمية تطوير آليات للرصد والمتابعة، خاصة في الفضاء الرقمي، لرصد تطور الخطابات وتفادي الانزلاقات نحو الاستقطاب أو التضليل.
وتكشف هذه الورقة عن أن تدبير الهجرة بالمغرب لم يعد مجرد مسألة ضبط حدود، بل أصبح رهينًا بتوازن دقيق بين الأمن، والتواصل، والسياسات الاجتماعية.
وفي ظل غياب رؤية واضحة ومؤطرة، قد تتحول الأدوات المعتمدة لضبط الظاهرة إلى عوامل تغذي التوتر بدل احتوائه، ما يجعل الرهان الحقيقي اليوم هو بناء سياسة شفافة ومندمجة قادرة على تحقيق الاستقرار دون الإضرار بالتماسك الاجتماعي.




تعليقات الزوار ( 0 )