اعتبر الدكتور خالد حاجي، أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن بجامعة محمد الأول بمدينة وجدة، أن مفهوم الثقافة يعيش اليوم أزمة عالمية كبرى نتيجة الابتذال الذي طال المصطلح وتحوله إلى مرادف لـ “الموضة” والاستهلاك، محذرا من أن الثقافة الرقمية والذكاء الاصطناعي يسعيان إلى فصل الإنسان عن بيئته وجذوره التاريخية.

وأوضح الدكتور حاجي، خلال مداخلته في الندوة الفكرية التي نظمتها جريدة “الشعاع الجديدة” بالرباط تحت عنوان: “أي ثقافة.. وأي دور لمثقف اليوم في المغرب الراهن؟”، أننا بحاجة ماسة إلى تجديد النظرة للمثقف المغربي ليكون منطلقا من قضايا وطنه دون الانعزال عن سياقه الكوني.
وشدد أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن، على ضرورة “التصالح مع الذات” كمدخل أساسي وضروري لاستنهاض الهمم وبناء نهضة حقيقية.

وانتقد المنظومة التي تحصر المثقف في كونه “اسم مفعول به” يقع عليه الفعل وتشكله بيئة تعليمية تقدس المسارات العلمية والربحية على حساب الآداب والعلوم الإنسانية، داعيا إلى الانتقال لمفهوم المثقف “المبدع” الذي يوسع آفاق إدراك المجتمع دون الانفصال عن أصوله.
واستحضر حاجي تجربة الفلسفة الألمانية وتصورات أبي حيان التوحيدي في ربط “الحسيات بالعقليات”، مؤكدا أن الإبداع الذي يفتقر للحس والارتباط بالأرض يظل إبداعا هشا ومبتورا.
وتوقف عند مفهوم التراث، مستشهدا بتوماس ستيرنز إليوت في أن التراث “يكتسب ولا يورث”، مما يفرض على المثقف بذل جهد معرفي لاستيعاب تراثه من أجل تقديم إضافة حقيقية، وليس مجرد الانتساب الصوري له.
وفي قراءة نقدية لواقع “الثقافة الرقمية”، نبّه الدكتور حاجي إلى أن التكنولوجيا حولت الثقافة إلى مجرد “تطبيقات” (Applications)، مما أدى إلى محو الفجوة بين المنتج والمستهلك، وخلق حالة من “الابتذال الثقافي”.
وأردف أنه وفق هذا الوضع؛ صار بمقدور أي فرد إنتاج صور أو موسيقى عبر أدوات تقنية دون الحاجة لعمق فكري أو تفاعل مع اللغة والمكان.
وأشار إلى أن العالم انتقل من “الجيوبوليتيك” التي تدار بالجغرافيا إلى “أستروبوليتكس” (سياسة الفضاء)، حيث أصبح من يملك الأدوات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي هو من يملك الحق في “تحديد معنى الواقع” الثقافي والاجتماعي والسياسي، وهو جوهر الصراع الكوني الراهن.
ودعا إلى ممارسة “النقد الذاتي” داخل الحقل الثقافي المغربي، معتبرا أن المثقف الذي لا يجدد نفسه ولا يراجع كتاباته هو مثقف فاقد للصلاحية، مستشهدا بمفهوم “الموقف” عند الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر كعملية وقوف وتأمل مستمرة في عالم دائم الحركة.
وأكد أن الرهان اليوم يتجاوز الصراعات الحزبية الضيقة نحو بناء رؤية شاملة تعيد لجسد الأمة توازنه، وتسمح للمغرب بالخروج من “نقطة الوقوف” التاريخية نحو العالمية، شريطة أن تظل هذه الثقافة مرتبطة بـ “ميلودية الأرض” واللغة والتصالح مع الهوية الوطنية في مواجهة خطر “الإنسان العاري” الذي تبشر به الليبرالية التكنولوجية.

وتجدر الإشارة إلى أن الندوة شارك فيها إلى جانب الدكتور خالد حاجي كل من الشاعر صلاح بوسريف، ود المصطفي المريزق أستاذ السوسيولوجيا بجامعة المولى اسماعيل بمكناس، والدكتور امحمد جبرون، وأطرها الزميل د نورالدين لشهب.
وستنشر الندوة بالصوت والصورة، مساء السبت، على جريدة الشعاع الجديد والمنصات التابعة لها.


تعليقات الزوار ( 0 )