في خضم العاصفة التي فجرها تسريب وثائق من المجلس الوطني للصحافة، انزلقت بوصلة النقاش من القضايا البنيوية التي تستحق التركيز ـ مثل الأخلاقيات المهنية وشفافية تدبير القرارات داخل مؤسسة دستورية ـ نحو حملة افترائية استهدفت صحافية معروفة باستقلاليتها ونزاهتها. فالهجوم الذي تتعرض له الزميلة فاطمة الإفريقي اليوم ليس نقاشًا محتدما ولا سجالا مهنيا طبيعيا، بل محاولة مُحكمة لاغتيال الاختلاف وتشويه معنى الصحافة نفسها. فالافتراء لا يُصنَّف رأيًا، والتشهير ليس وجهة نظر، واستبدال مناقشة الأفكار باستهداف الأشخاص سقوط أخلاقي لا يمكن تبريره تحت أي ذريعة.
صحيح أن قضية التسريب لحظة حساسة تستدعي نقاشا جادا ومسؤولا، وصحيح أن الاختلاف حولها طبيعي ومطلوب، لكن تحويل النقاش إلى حملة اتهام ضد فاطمة الإفريقي يُعدّ انحرافًا خطيرًا عن جوهر الموضوع. وقد أختلف معها في طريقة تناولها للقضية، لكنّ ما طرحته يبقى في صلب النقاش المؤسسي، ولا يحمل أي خروج عن إطار مساءلة ما جرى داخل لجنة الأخلاقيات. لذلك فإن فاطمة ليست «القضية»؛ القضية الحقيقية هي الشفافية، هي الأخلاق المهنية، هي نزاهة النقاش ذاته.
ومن يعرف مسار فاطمة الإفريقي يدرك أنها كانت دائمًا صوتًا منحازا للحرية والمسؤولية، وأن تحويلها اليوم إلى «فاعل خفي» في ملف بالغ التعقيد محاولة لشيطنة شخصها بدل مواجهة الأسئلة الجوهرية التي يطرحها التسريب.
هذا الأسلوب لا يمت لحرية الرأي بصلة، بل يندرج ضمن منطق التضليل والتحريض الذي يتنافى مع أبسط قواعد المهنة.
إن الاختلاف في التقدير مشروع، وانتقاد المواقف مشروع، لكن الإدانة المسبقة دون بيّنة هي تقويض لمبدأ العدالة الذي نطالب المجلس نفسه بالالتزام به. فكيف نطالب مؤسسة دستورية بتجسيد أخلاقيات المهنة، في الوقت الذي نُبيح فيه لأنفسنا خرق هذه الأخلاقيات على الملأ؟
كان من المفترض أن يشكل التسريب لحظة مراجعة عميقة لشروط العمل داخل المجلس: ضمانات الاستقلالية، مساطر التأديب، حدود السريّة، وآليات التحصين المؤسسي. غير أن كل هذه الأسئلة الجوهرية ضاعت وسط ضجيج الاتهام واستسهال التشهير.
الدفاع عن فاطمة الإفريقي ليس دفاعا عن شخص، بل عن مبدأ: الحق في ألا يكون الفرد هدفا لحملات افتراء، والحق في أن يُناقش بناء على رأيه لا بناءً على تأويلات أو حسابات ضيقة. لأن ما يحدث اليوم معها قد يحدث غدًا مع أي صحافي آخر، وقد يتحول الاختلاف المهني إلى فضاءات رقمية تمارس «محاكم تفتيش» لا تقل شراسة عن أي سلطة رسمية.
إن الدفاع عن فاطمة اليوم هو دفاع عن حرية التفكير، عن كرامة النقاش العام، وعن حق المهنة في أن تُمارس دون ابتزاز ولا تشويه.



تعليقات الزوار ( 0 )