أصدر المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة دراسة سياسية تحليلية جديدة تناولت التداعيات الجيوسياسية للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، محذرا من أن هذه المواجهة تمثل نقطة تحول عميقة في قواعد الاشتباك السياسي والأمني في الشرق الأوسط، بل وفي طبيعة النظام الدولي نفسه.
وتحمل الدراسة عنوان “الحرب على إيران وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك السياسي”، حيث تسعى إلى تفكيك أبعاد المواجهة العسكرية التي اندلعت في نهاية فبراير 2026، وتداعياتها على موازين القوى العالمية، وعلى مستقبل القانون الدولي ومسارات التفاوض السياسي في الأزمات الكبرى.
وترى الورقة التحليلية أن الحرب لم تكن مجرد تصعيد عسكري محدود، بل شكلت صدمة نوعية للمنظومة الدولية، وكشفت هشاشة النظام العالمي القائم على القواعد، في ظل قدرة القوى الكبرى على تجاوز الضوابط القانونية والأممية عندما تتقاطع الاعتبارات الاستراتيجية مع حسابات القوة والنفوذ.
-صدمة دولية
تشير الدراسة إلى أن الساعات الأولى من صباح 28 فبراير 2026 شهدت حدثا مفصليا في النظام الدولي، مع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.
وتؤكد الورقة أن هذه الحرب جاءت في سياق دولي يتسم أصلاً بتراكم الأزمات الجيوسياسية وتزايد هشاشة التوازنات الأمنية، ما جعل تأثيرها يتجاوز حدود المنطقة ليطال بنية العلاقات الدولية برمتها.
وترى أن أهمية هذا الحدث لا تكمن فقط في حجمه العسكري، بل في طبيعة التحول الذي أحدثه في قواعد إدارة الصراع، حيث أعاد طرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف على ضبط سلوك القوى الكبرى.
-خديعة دبلوماسية
واحدة من أبرز النقاط التي توقف عندها الباحثون في الدراسة تتعلق بتوقيت الهجوم العسكري، الذي وصفه عدد من المراقبين بـ”الخديعة الدبلوماسية”.
وبحسب المعطيات التي أوردتها الورقة، جاء اندلاع الحرب بعد نحو 48 ساعة فقط من انتهاء جولة مفاوضات مكثفة في جنيف بين الأطراف المعنية بالملف الإيراني، حيث أبدت التصريحات الرسمية آنذاك مؤشرات إيجابية حول إمكانية التوصل إلى تسوية تفاوضية.
ولكن في الوقت الذي كانت فيه التصريحات السياسية تتحدث عن منح الدبلوماسية مزيدا من الوقت، كانت الاستعدادات العسكرية تجري على قدم وساق، ما أعاد إلى الواجهة الجدل حول استخدام مسارات التفاوض كغطاء لتحركات عسكرية استراتيجية.
-ضربات القيادة
لم تقتصر العمليات العسكرية على استهداف المنشآت النووية الإيرانية، بل تجاوزت ذلك إلى ضربات وصفتها الدراسة بأنها كسرت الخطوط الحمراء التقليدية في الصراع.
وشملت الضربات استهداف مستويات عليا من القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية، من بينها اغتيال المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي وعدد من كبار القادة العسكريين، وهو ما دفع المواجهة إلى مستوى غير مسبوق من التصعيد.
وترى الدراسة أن استهداف رأس هرم السلطة في إيران أدخل الصراع في مرحلة أكثر تعقيدا وخطورة، نظرا لما يحمله ذلك من تداعيات استراتيجية تتعلق باستقرار النظام السياسي الإيراني وتوازن القوى الإقليمي.
-نهاية الوكلاء
من أبرز الاستنتاجات التي خلصت إليها الدراسة أن الحرب الحالية قد تعلن عمليا نهاية مرحلة طويلة من “حروب الظل” التي كانت تعتمد على الوكلاء الإقليميين.
وفي السنوات الماضية، كانت المواجهات بين إيران وخصومها تتم في الغالب عبر أطراف غير مباشرة، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو لبنان.
وغير أن المواجهة الجديدة، وفق تحليل المركز، تمثل انتقالا واضحا نحو الصدام المباشر بين القوى الكبرى، خاصة مع الدور الأمريكي المتزايد في العمليات العسكرية والدعم السياسي والعسكري الكامل لإسرائيل.
-رهانات الطاقة
لا تقتصر خلفيات الحرب، بحسب الدراسة، على الاعتبارات الأمنية أو النووية فقط، بل تمتد إلى رهانات اقتصادية وتكنولوجية أعمق.
ومن بين أبرز هذه العوامل قضية أمن الطاقة العالمي، إذ ترى الورقة أن جزءا من حسابات واشنطن يرتبط بالحفاظ على استقرار إمدادات الطاقة الضرورية لتشغيل مراكز البيانات العملاقة والبنية التحتية الخاصة بمشاريع الذكاء الاصطناعي.
وتشير الدراسة إلى أن السيطرة على مسارات الطاقة في الشرق الأوسط أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بالتنافس التكنولوجي العالمي، ما يجعل المنطقة جزءاً من معركة أوسع تتجاوز حدودها الجغرافية.
-منافسة الصين
تلفت الدراسة أيضا إلى أن الحرب قد تكون جزءا من سياق أوسع من التنافس الجيو-اقتصادي بين الولايات المتحدة والصين.
إوضعاف استقرار إمدادات الطاقة في الخليج يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الصيني الذي يعتمد بشكل كبير على هذه الموارد لتغذية صناعاته الثقيلة والتكنولوجية.
ومن هذا المنظور، قد ينظر إلى التصعيد العسكري كأداة ضغط غير مباشرة في إطار الصراع العالمي على النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي.
-تداعيات إقليمية
وأما على المستوى الإقليمي، فقد سجلت الدراسة سلسلة من التداعيات المتسارعة للحرب، ففي إيران، اتجهت طهران إلى تعزيز قدراتها في مجال الردع السيبراني، مستهدفة البنى التحتية الحيوية والأنظمة المالية لخصومها، باعتبار الفضاء الرقمي ساحة بديلة للمواجهة العسكرية المباشرة.
وتوسع نطاق التوتر ليشمل الساحة اللبنانية، حيث اندلعت مواجهة واسعة بين إسرائيل وحزب الله، أسفرت عن سقوط مئات الضحايا وحدوث موجات نزوح كبيرة في مناطق عدة.
-اختبار النظام
ترى الدراسة أن الحرب الحالية تمثل اختبارا تاريخيا للنظام الدولي القائم على القواعد، فبينما تصف إيران الهجوم بأنه انتهاك جسيم للقانون الدولي، يشير عدد من الخبراء إلى أن الأحداث الأخيرة تكشف حدود قدرة المؤسسات الدولية على فرض قواعد ملزمة عندما تتعارض مع مصالح القوى الكبرى.
وتشير الورقة إلى أن أحد الأهداف غير المعلنة لهذه الحرب قد يتمثل في دفع إيران نحو مرحلة “انتقال قسري” في بنية الحكم، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية والتوقعات بانكماش الاقتصاد الإيراني خلال عام 2026.
وفي ظل هذه المعطيات، تؤكد الدراسة أن الشرق الأوسط قد يكون على أعتاب مرحلة جديدة من الصراعات المعقدة، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع رهانات الطاقة والتكنولوجيا والنفوذ العالمي، بما يعيد رسم خريطة التوازنات الدولية في السنوات المقبلة.





تعليقات الزوار ( 0 )