منذ وصول التلفزيون المُلَوَّن إلى الوطن العربي، استمتعتْ الجماهير العربية بكوكبة من الأعمال الدرامية الضخمة سواء منها العربية أو المحلية، التي راعت إلى حد كبير ذكاء المشاهد العربي وذوقه، وخاصة في ليالي شهر رمضان. فمثلما كان الجمهور العربي يتطلع إلى التقرب إلى الله بالصيام والقيام وصالح الأعمال في أيام معدودات، كان يتطلع كل رمضان إلى الجديد من الأعمال الدرامية والفكاهية التي تجمع أفراد العائلة على مائدة الإفطار دون إحراج، ويحرص على الإجابة عن سؤال الحلقة كل يوم، حتى باتت تلك البرامج طقسا تلفزيونيا من طقوس رمضان عند الأجيال السابقة، وجزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية.
لن ينسى الجمهور العربي من أبناء الجيل السابق مسلسلات مصرية رائدة عَلِقَتْ بالذاكرة عناوينُها، كما عَلِقَتْ أحداثُها وأداءُ أبطالها صوتا وصورة، من قبيل: “ليالي الحلمية”، و”أرابيسك”… ومسلسلات سورية خالدة كمسلسل: “الزير سالم”، و”التغريبة الفلسطينية”، و”باب الحارة”… ثم إن فرجة المائدة المغربية أيام الزمن الجميل، بدأت مع سلسلة “الهاربان: بوشتة وبوكطاية”، و”عائلة السي مربوح”، و”لالة فاطمة”… وغيرها الكثير، قبل أن تكتسح بيوتنا المسلسلات الأجنبية المدبلجة، وتَأْسَرَ عقول فئات عريضة من الجماهير العربية.
وإذا كان النقد الموجه للأعمال التلفزيونية الدرامية والكوميدية من قِبَلِ المتخصصين والمتابعين ظاهرة صحية في جوهره، مادام يروم التسديد والتجويد وتقويم الاعوجاج، فإن تصميم قنوات القطب العمومي العربية كل سنة على عرض محتوًى سينمائيٍّ لا يستجيب للحد الأدنى من انتظارات الجمهور العربي الذوَّاق، وبعيدٍ عن نصف المأمول في قنواتٍ تنتسب لفظا وليس معنىً إلى دول إسلامية، من شأنه أن ينقل رمضان من فرصة لتعزيز قيم الانتماء الدينية والوطنية لدى الأجيال الناشئة، إلى حرب شعواء على قيم المجتمع ومبادئه وأعرافه.
وهذا ما حوَّل التلفزيون الرسمي في عين الجمهور العربي إلى مجرد وسيلة للتسلية والتلهية، ونَزَعَ عنه تأثيره القوي في تشكيل الوعي الفردي والجمعي بالتحديات الفكرية والثقافية واللغوية التي تواجه أمتنا العربية والإسلامية.
هناك أسئلة كثيرة تَطرح نفسها بإلحاح شديد، نتوجه بها إلى المشرفين على الإعلام العمومي في كل رمضان: لماذا هذا الإصرار من صُنَّاع الدراما على عرض أعمال أسوأ من السابق، كما لو كانوا لا يتعلمون من أخطائهم، أو لا تهمهم الانتقادات التي أُثيرت حول أعمالهم فيما مضى؟ أم أن تلك الطائفة من الأعمال السينمائية هي المنحى العام الذي يريده المشرفون على قنواتنا، وهو الذي يستطيع المنتجون تمويله دون سواه؟ هل المصالحة مع الجمهور لا تتم إلا بمسلسلات محلية تستهتر بعقول المُشاهدين، وبسلسلات كوميدية تقتنص ضحكات الجمهور بمشقة النفس؟ ثم أين دور مؤسسات الرقابة في ضبط المحتوى الإعلامي التافه الذي يُعْرَضُ على التلفزيون في خير الشهور؟
دراما رمضان في الميزان:
لو وقفنا عند معظم الأعمال التلفزيونية التي عُرضت ــ على الأقل ــ في الخمس سنوات الأخيرة أو تُعرض حاليا بالقنوات العمومية العربية، سنجد حولها جدلا واسعا بخصوص المضمون، ناهيك عن الشكل الذي صار وحده مادة للنقد والتجريح. ويمكن تلخيص أهم الانتقادات الموجهة إلى المحتوى في ثلاث نِقاط رئيسية:
أولا ــ محتوى لا يراعي حرمة رمضان
من يتابع برامج رمضان بمختلف المحطات التلفزيونية العربية، يسأل نفسه مُلْتَاعًا: أين قدسية شهر رمضان في برامجنا التلفزيونية؟ وكيف لا يُخَضُّ هذا المتابع، وقد جرحتْ صيامَه عشراتُ المَشاهد الغرامية، وخَمَشَتْ احتسابَه حفلاتُ الرقص والمجون المائعة، وجلسات الخمور وتعاطي المخدرات، وصالات القمار… فضلا عن عشرات الملاسنات الكلامية المليئة بالسب والعبارات السوقية؟! … غرامٌ وفسوقٌ وَرَفَثٌ وجدالٌ وبَلْطَجَةٌ على شاشات التلفزيون العربي في عز رمضان! وماذا تركنا لغير رمضان من سوء وجرأة على الأخلاق والقيم الدينية؟
لا أشك لحظة في أن الخط التحريري لأغلب المحطات التلفزيونية العربية الرسمية يسير نحو إظهار الشعائر الدينية المرتبطة بشهر رمضان في جانبها الشكلي (مظاهر الصوم)، من قبيل: التركيز على نقل صلاة التراويح مثلا، وإذاعة جزء من القرآن يوميا، وحديث جاف عن مبطلات الصلاة ونواقض الوضوء… مع تجنب إظهار معانيه الروحية العظيمة، وحَجْبِ أهميته في الاستقامة وإصلاح النفوس وحفظ الجوارح، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، يسير نحو إفراغه من معانيه الاجتماعية المتمثلة في قيم التكافل الاجتماعي والإحسان إلى الفقراء، وصلة الرحم، والاصطلاح بين الأقارب والجيران، وتوطيد روابط المحبة والثقة بين أفراد المجتمع، وذلك بالسمو بالنفوس عن الأخطاء وتَوَافِهِ الأمور.
وربما جادلني أحدٌ بأن هذه المَهمة موكولة للقنوات الدينية، مثل قناة السادسة المغربية التي عليها أن تنشط في شهر رمضان، وتُكَثِّفَ من برامجها الدينية من تلاوةٍ للقرآن، ودروسٍ للوعظ والإرشاد، ومسابقات دينية وثقافية، ومسلسلات تاريخية تُعَرِّف بتاريخ الأمة وأمجادها، وبعلمائها وقادتها العظام.
إن هذا الرأي مهما بدا وجيها في ظاهره، فإنه مردود عليه من ناحيتين:
ــ الأولى أنَّ المفروض في القنوات العمومية العربية أنْ تحتكم في جميع برامجها إلى المرجعية الإسلامية، أكثر مما تحتكم إلى الصفة (قناة حكومية أو غير حكومية)، أو تحتكم إلى الطبيعة (قناة إخبارية؛ قناة رياضية؛ قناة دينية…)، أو تحتكم إلى الوظيفة (الإخبار؛ الإعلان؛ التعليم؛ الترفيه…). وبناء عليه، يكون عدم وصف أي قناة عمومية عربية بالدينية لا يُعفيها من القيام بدورها الرئيسي في التأهيل القيمي للجمهور الناشئ على أساس مرجعيتها الدينية. كما لا يمنحها الحق في تضخيم الإنتاجات الدرامية والسيتكومات الترفيهية الفارغة، على حساب البرامج الهادفة في شهر رمضان.
ــ والثانية أن قنوات القطب العمومي يُمَوِّلُهَا المشاهدون، ومن واجبها الانخراط في تحصين هوية الجمهور المسلم، والحفاظ على ثوابت الأمة العربية. ذلك أن الهُوية الإسلامية لا تنحصر في مجرد افتتاح البرامج بآيات من الذكر الحكيم، ولا في انتساب القناة لبلد إسلامي، بل هي جملة من القيم والمبادئ التي تميز الفنان العربي المسلم. فَلَئِنْ لم يكن الفنان التلفزيوني شيخا واعظا، فإنه في الوقت نفسه ليس جاهلا بما يفعل، وليس لعبة في يد القناة التي تدفع أكثر، وتسمح له بالظهور أكثر، بل هو شخص رسالي يؤمن بأن له تأثيرا كافيا في جمهوره، وخاصة الجمهور الناشئ.
ثانيا ــ محتوى متخاصم مع واقعه وبيئته
كثيرا ما تصادفنا ونحن نقرأ عن الفن ودوره في الحياة، عناوينُ وجملٌ جذابة من قبيل: الفن مرآة المجتمع؛ الفن صورة المجتمع؛ الفن صوت الرأي العام… هكذا تبرز علاقة الفن بالمجتمع علاقة تبادلية ناصعة لا غبار عليها.
والسينما بوصفها جنسا من أجناس الفنون الإبداعية الجميلة ارتبطت بالواقع المعيش للأفراد والجماعات، واجتهدت في معالجة جوانب من مشاكلهم الاجتماعية والسياسية والثقافية والنفسية… ونجحت بشكل مُقَدَّر جدا في احتضان طموحاتهم وآمالهم، وتأطير أحلامهم الكبيرة. لكن هل الإنتاجات الدرامية والكوميدية العربية التي تُعرض اليوم في رمضان هي انعكاس حقيقي للواقع العربي، والمعيش اليومي بالوطن العربي؟
نسجل بأسف شديد، أن جل الإنتاجات الدرامية المعروضة حاليا بالوطن العربي بعيدة عن قضايا الوطن المصيرية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ولغويا… المُشاهد العربي اليوم لدراما رمضان لا يعثر على وجه الشَّبَه بين الحكاية التي تعرضها قنواته الرسمية، وبين ما يَتَحَلْحَلُ في الشارع العربي من قضايا شائكة، ومطالب حقيقية يتحدث الناس بها في السوق والحافلة والبيت… ومن ثَمَّ لا يشعر بأنه جزء من تلك الحكاية العربية التي تخيلها كاتبها ـــ في ثلاثين حلقة كاملة ـــ بإيعاز من المشرف على القناة، أو بإيعاز من المنتج. المُشاهد العربي اليوم لا يجد وجه الشَّبه بين شخصيته وبين ملامح تلك الشخصية العربية التي يرسمها الممثل نيابة عنه في الأفلام والمسلسلات.
ومع مرور الوقت، تتكون لدى المُشاهد العربي قناعة بأن ذلك الفنان ــ سواء أكان ممثلا أم مخرجا أم منتجا ــ لا يعبِّر عن آماله وآلامه، ولا يمثله في ثقافته ومواقفه، وأن نموذج الحياة الذي فُرِضَ على المُشاهدين لا ينتسب إليهم، ولا يعرفون شبيها له في تجاربهم الشخصية.
أقصى ما ينتظره المُشاهد العربي من دراما رمضان اليوم هو مسلسلات تُزَيِّفُ الأحداث والوقائع قبل كتابة السيناريو، وترسم واقعا عربيا متخاصما مع ذاته، وحريصا أشد الحرص على إلهائه بقصص خارج انتظاراته ومطالبه، وبهموم ثانوية تُنَفِّرُ ولا تُبَشِّرُ. ما يجعله يبحث عن البديل في قنوات أخرى تتحلى بروح المسؤولية والمهنية.
المُشاهد العربي في كل رمضان تُفرض عليه سيناريوهات تنكرية للواقع المعيش، ولنمط الحياة العربية! سيناريوهات تَسُوقُ شعوبنا العربية سَوْقاً نحو التجهيل والتضليل والتغريب، من خلال إعادة تدوير التَّفَاهَة والبَلَاهَة والسَّفَاهَة في قالب جديد، ومن خلال إعادة تدوير مَشاهد العنف اللفظي، والرعونة والبلطجة بجرعات زائدة كل موسم.
ثالثا ــ محتوى يسعى إلى استبدال المفاهيم والقيم
الحقيقة أننا لا نكشف سرا ولا نحاول إبهارا، حين نقول إن أغلب الأعمال التلفزيونية الدرامية والكوميدية في رمضان (وغير رمضان)، ما عادت تنسجم مع الذات العربية في ثقافتها وقيمها الأصيلة، وفي الأفكار والمفاهيم التي بات يحملها الفنان العربي عن نفسه وعن البيئة التي من حوله.
الدراما والكوميديا العربية اليوم ناجحة بمعايير أخرى، غير المعايير الفنية والمعايير القيمية. فهي ناجحة بمعيار ارتفاع نسب المشاهدة وعدد التقاسم، رغم أنها لا تسهم في إصلاح واقع أو تقويم اعوجاج؛ وهي ناجحة بمعيار غير أخلاقي له علاقة بشراء الأقلام التي تجتهد في تجميل السوء والعَفَنِ القيمي، والتسويق للمفاهيم العالمية الجديدة والقيم البديلة التي لا وجود لها سوى في المجتمعات الغربية المنحلة.
وإذا كانت الأعمال الدرامية البانية في كل البلدان تُنافس على تعزيز القيم، وتحصين الهُويات الوطنية، والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي، فإن دراما رمضان ــ على العكس من ذلك ــ باتت تُنافس على تغيير المفاهيم الإسلامية، وإضعاف القيم والتقاليد العربية الأصيلة في عيون الأجيال الناشئة باسم التحضر والعصرنة؛ وتُنافس على تهميش قيم الجمهور تمهيدا لفرض قيم المخرج والمنتج والممثل. والأمثلة على ذلك كثيرة، نشير إلى جزء منها:
ــ التقليل من شأن اللغة العربية: استغنت الأعمال السينمائية بوطننا العربي عن اللغة العربية، وتم تعويضها بدارجة أقل ما يقال عنها إنها دارجة سوقية غير مهذبة، تجعلك تشعر أنه لم يعد هناك محظور لغوي في السينما.
ــ المبالغة في عرض مشاهد العنف: لا تكاد حلقة من حلقات المسلسلات الرمضانية تخلو من مشهد للعنف أو صورة للجريمة. يكفي الاستشهاد على هذه الظواهر السيئة في الأعمال التلفزيونية بمثال واحد في الموسم الحالي: المسلسل المصري “علي كلاي” على قناة DMC، وبمثالين من الموسم الماضي: المسلسل المصري “فهد البطل” على قناة “دراما”، والمسلسل المغربي “الدم المشروك” على القناة الثانية.
وهو ما جعل عددا من المتخصصين في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية يحذرون من عبء الثقافة البصرية العنيفة على الجيل الناشئ أثناء وبعد رمضان. فمن تعوَّد في شهر الرحمة والغفران على متابعة صور التنمر والتحرش، والضرب والجرح، والقتل… يصعب عليك إقناعه بِخُلُقِ السماحة والصفح والعفو عند المقدرة في الواقع.
ــ التركيز على قيمة الاستهلاك المفرط: تَعْمَدُ القنوات التلفزيونية العربية ــ في أوقات الذروة ــ إلى التركيز على إبهار المشاهدين بالمادة الاستهلاكية في شهر البركة والخيرات، في محاولة لصرف أنظار الجمهور العربي المسلم عن قيم التكافل الاجتماعي وإطعام الطعام وتفطير الصيام إلى عادات التكلف والإفراط في تزيين مائدة الإفطار. وهذا ما يسميه المتخصصون: ” الإقناع القسري للأجيال الناشئة” بقيم وأفكار جديدة.
كلمة أخيرة:
نؤمن بأن السينما لا يمكن أن تكون جادة مدى الحياة، طالما أن المُشاهد ينزع نحو الترفيه عند نهاية الصوم، لكن ليس على حساب القيم التي شَكَّلت مرجعية أخلاقية واجتماعية لسلوك الإنسان في بيئتنا العربية. لا بد من خلق نوع من التوازن في الأعمال السينمائية بين الترفيه والقيم الأخلاقية. وأي خلل في هذا التوازن سينقل السينما من وسيلة للإصلاح إلى وسيلة لدعم مظاهر التبدل في أنماط العيش، وطرق التفكير ومعايير النجاح، ويجعل منها مَطِيَّةً للانسلاخ من الهُوية الإسلامية.
دعني أقول في النهاية إن المتلقي العربي البسيط الذي يرزح تحت ضغط القهر من قبل الدولة والمجتمع، بات يعيش حياة في الواقع لا يشتهيها، ويعيش في المثال الفني/السينمائي حياة درامية لا تشبهه. فلا حياة الواقع أَنْصَفَتْهُ، ولا حياة الدراما أَبَرَّتْهُ. ولن تعود السينما فُرجة جماعية كما كانت، إلا إذا جاءت صورة حقيقية لمجتمعنا العربي في سكونه واضطرابه، بعيدا عن الوظائف التي تؤديها أدوات العولمة، وعلى رأسها المخرج السينمائي والممون.






تعليقات الزوار ( 0 )