أصدر ما يسمى بتنظيم “قاعدة الجهاد في جزيرة العرب” بلاغا جديدا حمل عنوان “تهنئة ومباركة لإخواننا في الساحل الإفريقي”، عبّر فيه عن دعمه للعمليات التي تنفذها الجماعات المسلحة المرتبطة بتنظيم “القاعدة” بمنطقة الساحل، في مؤشر جديد على استمرار التنسيق الرمزي والإيديولوجي بين مختلف الفروع الجهادية المنتشرة في عدد من بؤر التوتر الإقليمية.
البلاغ، المؤرخ في 19 ذو القعدة 1447 هـ الموافق لـ6 ماي 2026، أشاد بما وصفه بـ”العمليات المباركة” التي تقودها جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” بالساحل الإفريقي، معتبرا أنها أعادت “أمجاد الإسلام” وأحيت “معاني العزة والإباء”، وهي مفردات تعكس استمرار اعتماد التنظيمات الجهادية على خطاب تعبوي قائم على استدعاء الرموز الدينية والتاريخية بهدف شرعنة العنف المسلح وإضفاء طابع “عقائدي” على الصراعات الجارية في المنطقة.
ويكشف مضمون البلاغ عن حرص التنظيم على إعادة تأكيد وحدة المرجعية الفكرية والتنظيمية التي تربط مختلف الفروع التابعة لشبكة “القاعدة”، رغم التباعد الجغرافي واختلاف السياقات المحلية. كما يعكس محاولة واضحة لإبراز جماعات الساحل باعتبارها امتدادا لمشروع “القاعدة” العالمي، في وقت تعرف فيه منطقة الساحل تحولات أمنية معقدة وتناميا لنفوذ الجماعات المسلحة على حساب هشاشة الدولة في بعض المناطق.

واعتمد البيان لغة دينية حادة تقوم على ثنائية “المؤمنين” و”أعداء الإسلام”، مع دعوات صريحة إلى مواصلة القتال والتماسك خلف القيادات الجهادية، في خطاب يعيد إنتاج نفس البنية الإيديولوجية التي ميزت أدبيات التنظيمات المتطرفة منذ سنوات، دون تقديم أي تصور سياسي أو اجتماعي واقعي لمعالجة أزمات المنطقة.
ويرى متابعون أن هذا النوع من البلاغات يدخل ضمن استراتيجية دعائية تهدف إلى رفع معنويات المقاتلين واستقطاب متعاطفين جدد، خاصة في ظل تصاعد المنافسة بين التنظيمات الجهادية في إفريقيا، سواء المرتبطة بتنظيم “القاعدة” أو بتنظيم “داعش”.
كما تسعى هذه الرسائل إلى إظهار التنظيم في صورة “الفاعل العابر للحدود” القادر على الحفاظ على شبكة ولاءات إقليمية رغم الضربات الأمنية والعسكرية المتواصلة.
ويثير البلاغ مجددا تساؤلات حول مستقبل التهديد الجهادي في منطقة الساحل، خصوصا مع استمرار الأزمات السياسية والانقلابات العسكرية وتراجع فعالية بعض المقاربات الأمنية التقليدية، وهو ما يمنح التنظيمات المتشددة هامشا أكبر لإعادة الانتشار وتوسيع نفوذها داخل مجتمعات تعاني من الفقر والهشاشة وضعف مؤسسات الدولة.
ويبدو من خلال لغة البلاغ أن تنظيم القاعدة لا يزال أسير لغة تعبوية قديمة لم تعد قادرة على إنتاج التأثير نفسه الذي كانت تحدثه في مراحل سابقة، لأن الخطاب يقوم على التعميم الثنائي الحاد بين “المؤمنين” و”الأعداء”، دون أي قراءة واقعية لتعقيدات المشهد السياسي والاجتماعي في المنطقة.
كما أن البلاغ يتجنب بشكل واضح تقديم أي مراجعة نقدية لتجارب التنظيمات المسلحة في الساحل، رغم ما خلفته من انهيارات إنسانية وأزمات نزوح وتفكك اجتماعي.
ويلاحظ أيضا أن البلاغ يعيد إنتاج ما يمكن تسميته بـ”الخطاب العابر للحدود”، حيث يتم استدعاء قضايا متعددة ومتباعدة جغرافيا داخل سردية موحدة هدفها الحفاظ على تماسك الهوية الإيديولوجية للتنظيم، وهو ما يجعل هذا النمط من الخطاب يصطدم اليوم بتحولات دولية وإقليمية جعلت التنظيمات الجهادية تواجه عزلة متزايدة، خاصة بعد تراجع قدرتها على التحكم في المجال الترابي أو بناء هياكل مستقرة كما حدث في مراحل سابقة.
هذه البلاغات ومثيلاتها لم تعد تعكس قوة ميدانية بقدر ما تعكس حاجة التنظيمات المتشددة إلى إثبات استمرار وجودها الرمزي والإعلامي، في ظل تصاعد الضغوط العسكرية والاستخباراتية عليها في أكثر من منطقة بالساحل الإفريقي.



تعليقات الزوار ( 0 )