في خطوة أعادت ملف إصلاح مهنة المحاماة إلى واجهة النقاش القانوني والمهني، أُعلن عن تأجيل النظر في مشروع القانون المنظم للمهنة، عقب جولة جديدة من المشاورات المكثفة بين وزارة العدل وممثلي الهيئات المهنية، انتهت إلى اتفاق يقضي بإرجاء المسار التشريعي مؤقتًا إلى حين استكمال الحوار وتعميق النقاش حول عدد من المقتضيات التي أثارت خلافات جوهرية بين الأطراف المعنية.
ويأتي هذا القرار في سياق يتسم بحساسية خاصة، بالنظر إلى ما يحمله المشروع من رهانات تنظيمية ومؤسساتية تمس بنية المهنة ومستقبل ممارستها، فضلاً عن انعكاساته على منظومة العدالة ككل.
وقد شكلت هذه المشاورات محطة جديدة في مسار شدّ وجذب طبع العلاقة بين الوزارة الوصية والجسم المهني خلال الفترة الأخيرة، حيث عبّر المحامون، عبر هيئاتهم ومؤسساتهم التمثيلية، عن تحفظات عميقة بخصوص عدد من المقتضيات التي اعتُبرت، من وجهة نظرهم، غير متلائمة مع خصوصية المهنة واستقلاليتها، ما أدى إلى تصاعد أشكال احتجاجية شملت التوقف المؤقت عن العمل وتعليق عدد من الأنشطة المهنية، وهو ما انعكس بدوره على السير العادي للجلسات والإجراءات القضائية في مختلف محاكم المملكة.
وفي موازاة إعلان تأجيل المشروع، تقرر استئناف المحامين لمزاولة مهامهم بشكل عادي ابتداءً من يوم غد الخميس، في خطوة تعكس عودة تدريجية للحياة المهنية داخل المكاتب وردهات المحاكم، وتفتح المجال أمام استئناف السير الطبيعي للمساطر القضائية التي تأثرت بفترة التوقف الاحتجاجي.
وقد استُقبل هذا القرار بارتياح نسبي لدى المتقاضين وفاعلي العدالة، باعتباره مؤشراً على عودة التوازن إلى المرفق القضائي، ولو بشكل مؤقت، في انتظار ما ستسفر عنه جولات الحوار المقبلة.
ويرى متتبعون للشأن المهني أن قرار التأجيل لا يمثل نهاية الخلاف بقدر ما يشكل هدنة تنظيمية تسمح بإعادة ترتيب أوراق التفاوض وتهيئة الأرضية لإنتاج نص قانوني يحظى بقدر أكبر من التوافق، خاصة في ظل مطالب متزايدة بضرورة إشراك الفاعلين المهنيين بشكل أعمق في صياغة النصوص المؤطرة للمهنة، بما يضمن التوازن بين متطلبات الإصلاح المؤسساتي وحماية استقلالية الدفاع باعتباره ركناً أساسياً من أركان العدالة.
وفي المقابل، تترقب الأوساط القانونية والحقوقية مآلات المشاورات المرتقبة بين وزارة العدل وممثلي الهيئات المهنية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة الأطراف على تجاوز نقاط الخلاف وصياغة مشروع قانون يستجيب لتحديات الواقع المهني والتحولات التي تعرفها منظومة العدالة، خصوصاً في ظل التحولات الرقمية والتشريعية المتسارعة.
كما يُطرح سؤال جوهري حول طبيعة التنازلات الممكنة من كل طرف، ومدى انعكاسها على الصيغة النهائية للنص المنتظر، الذي يُفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة في تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب.
وبين عودة المحامين إلى قاعات الجلسات واستمرار طاولة الحوار مفتوحة، يعيش الجسم المهني لحظة دقيقة تجمع بين التفاؤل الحذر واليقظة المهنية، في انتظار ما ستفرزه الأيام المقبلة من معالم جديدة قد ترسم ملامح قانون يُنهي سنوات من الجدل ويعيد تعريف العلاقة بين المهنة ومحيطها المؤسساتي، بما يحفظ مكانة المحامي كفاعل أساسي في تحقيق العدالة وضمان حقوق المتقاضين.




تعليقات الزوار ( 0 )